Blog
لم يعد رأي المثقف في وسائل التواصل الاجتماعي كلمةً عابرة في مجلس محدود، فالجملة المنشورة قد تبقى بعد أن تتغيَّر الظروف السياسية، ودائما ما تُقتطع من سياقها، وتتحوَّل إلى موقفٍ يُحاسب صاحبه عليه سنوات، وتزداد الخطورة حين يتبنَّى الكاتب موقفاً من “دولة” أو “جماعة” تحت ضغط الحماسة أو الولاء أو رغبة الجمهور، من غير أن يتحقَّق من الوقائع، أو يترك لنفسه سياجاً يحميه من الانجرار إلى اصطفاف لا يعرف نهايته، فالعلاقات بين الدول لا تثبت على حال، والتحالف الذي يبدو راسخاً اليوم قد يتبدَّل غداً، وحينها قد يجد المثقف نفسه يدافع عن موقفٍ لم يعد أصحابه يدافعون عنه، أو يبرر ما كان ينتقده بالأمس، وهنا لا تكون الخسارة في سمعته وحدها، بل في ثقة الناس بصوته واستقلاله، فمنصات التواصل تميل الى تبنِّي الانفعال و ردة الفعل، بينما السياسة تقوم على المصالح المتحركة والملفات المعقَّدة جداً، ولذلك لا تكفي النية الطيبة وحدها لحماية الرأي من أن يتحوَّل إلى مادة توظيف أو خصومة.
وتاريخ التعاطي مع الآراء السياسية يقدِّم شواهد تستحق التأمل فيها، ففي الحرب الباردة موّلت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية سراً مؤتمرات ثقافية تدعم بعض المجلات و الأنشطة الفكرية المناهضة للشيوعية، وكُشف التمويل بعد ذلك بسنوات، فحصلت استقالات لصحفيين و كتاب، بعد انكشاف صلة التمويل بدعم المقالات و غيرها، ولا يعني ذلك أنَّ كلَّ كاتبٍ شارك في تلك الأنشطة كان مأجوراً أو أنَّ أفكاره صُنعت له، لكن الواقعة تكشف كيف يمكن للرعاية السياسية الخفية أن تضع المثقف في موضع الشبهة، حتى لو رأى أنه مستقل في رأيه، وتبين أنَّ أزمة المثقف قد تبدأ حين تتداخل قناعته مع مشروع لا يعرف حدوده أو مصادر دعمه، ثمَّ تتبدل السياسة ويبقى اسمه مرتبطاً بها، وقد وثقت دراسات تاريخية هذه القضية، كما حفظت أرشيفات الجامعات بيانات الاستقالة والمراسلات التي تلت الكشف.
والحل للأمانة ليس أن يصمت المثقف عن السياسة، لا أبداً لا نقصد ذلك، ولا أن يتظاهر بالحياد أمام كل قضية، بل أن يبني موقفه على بينة واضحة، فيميز بين الخبر والتحليل والميل القلبي، وبين الوقائع والدعاية والصورة النمطية، ويعلن ما لا يعرفه كما يعلن ما يعرفه، ويترك لنفسه وقتاً للتحقُّق قبل النشر، فإذا استبانت له الحقيقة أعلن رأيه وثبت عليه ما دامت أسبابه قائمة، وإذا ظهرت معلومات جديدة راجع موقفه بشجاعة، فالمراجعة ليست تناقضاً حين تفسرها الأدلة، أمَّا التناقض فهو أن يغير المرء موقفه مع تبدُّل مصالح الجهة التي يؤيدها.