آراء

هل ما زال الخليج كما كان؟

أكتوبر 19, 2026

هل ما زال الخليج كما كان؟

لم يكن الخليج في ذاكرة أبنائه مجرَّد مساحة جغرافية تطلُّ على البحر، بل كان ملاذًا للأمان وفرصةً لحياة أكثر استقرارًا ورغدًا للخليجيين والعرب والوافدين، فقبل النفط، صنعت التجارة البحرية واللؤلؤ وروابط المدن الساحلية روحًا من الاعتماد المتبادل، ثمَّ جاء عهد النفط والغاز للمنطقة ونقلها إلى مرحلة جديدة، فوفّرت الدولة الحديثة التعليم والعلاج والسكن والخدمات، وفتحت الوظائف أبوابها أمام أجيالها التي تبحث عن مستقبل أفضل، وساعد صغر المجتمعات، وتقارب العادات بين الخليجيين، وقوة الروابط الأسرية، وارتفاع الدخول القومية، وقوة الاستثمار في البنية التحتية في ترسيخ الشعور بالطمأنينة والرفاه في البلاد الخليجية، فمنحت للغير  إحساسًا بأنَّ الخليج مكان يستطيعون فيه العمل وتربية أبنائهم والعيش بأمان، وأنَّ الثروة يمكن أن تتحوَّل إلى تنمية وفرص حقيقية للبناء.

لكن الخليج لم يعد كما كان، أتحدث عن الوقت الراهن، فقد توالت عليه أزمات أعادت تشكيل علاقاته وموازين الأمن لديه، فمنذ بدأت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 واستمرت ثماني سنوات، دفعت دول المنطقة إلى قلقٍ دائم من اتساع الصراع، ثمَّ جاء غزو العراق للكويت عام 1990 ليكشف أنَّ أمن الخليج قابل للاختراق، وأنَّ الجوار العربي لا يمنع الحرب، وفي قطر وقع انتقال السلطة عام 1995، ثمَّ شهدت المنطقة خلافات سياسية متكررة، وصولًا إلى حصار قطر عام 2017 الذي قادته بعض الدول، وقبل المصالحة في قمة العلا عام 2021. وكشف ذلك عمق التباين السعودي القطري والإماراتي، وأثره في تماسك مجلس التعاون، وفي اليمن، تمدد الحوثيون وشنوا هجمات عابرة للحدود، واليوم ومع الحرب الأمريكية الإيرانية منذ فبراير 2026، والردود الإيرانية التي طالت منشآتٍ وممرات خليجية وحصار مضيق هرمز المربك، فعاد الخليج إلى قلب مواجهة تتجاوز حدوده وتهدد الطاقة والتجارة وحياة المدنيين.

وللخروج من هذه الأزمة لا يستلزم أبداً إنكار الاختلاف، بل بإعادة بناء الثقة الخليجية على قواعد واضحة تحترم سيادة الدول وتمنع تحويل الخلاف السياسي إلى حصار أو تهديد، لذلك فالمطلوب تفعيل الرابطة الخليجية بوصفها إطارًا للحوار والتنسيق بينهم الأطراف الخليجية، وإنشاء قنوات دائمة لخفض التصعيد مع الجميع، ومع ضرورة  التمسك بحقِّ الدفاع عن النفس ورفض استهداف المدنيين والمنشآت، وكما ينبغي تنويع منابع الاقتصاد ومصادر الطاقة ومسارات التصدير تجنباً لأيِّ توتر، والقيام بتعزيز الأمن الغذائي والمائي، وحماية البنية الرقمية، حتى لا تتحوَّل نقاط القوة الخليجية إلى مواطن هشاشة عند أول أزمة ولا ننسى دعوتنا وتذكير للقيادات أن تجعل مصالح الشعوب معيارًا للقرار، وأن تصارح الناس بالمخاطر وتستثمر في الدبلوماسية والوساطة بدل سباق التصريحات والتصعيد.

شارك

مقالات ذات صلة