آراء

رحلات نقولا زيادة في الخليج العربي

رحلات نقولا زيادة في الخليج العربي

تُمدّنا كُتب المذكرات بمادةٍ وفيرة من الشهادات الشخصية. وقد استوقفتني وأنا أطالع مذكرات المؤرِّخ نقولا زيادة وعنوانها «أيامي» وتقع في مجلدين، وهي مذكراتٌ نادرة من الصعب الحصول عليها، وعُدت إلى النسخة الإلكترونية المصورة. تُقدِّم هذه المذكرات صورة لجولات المؤرِّخ نقولا زيادة المبكرة في الخليج العربي، فقد زار الكويت والبحرين وقَطَر وأبو ظبي مراتٍ عديدة منذ أواخر الخمسينيات من القرن المنصرم، ووصف هذه البلاد ومَن لقيَ فيها من أعلامٍ وكَتَب عنها في سيرته. ونقولا مؤرِّخ مُعمّر عاش إلى أن بلغ التاسعة والتسعين من عمره، وُلِد في الناصرة بفلسطين عام 1907.

أحمد زكي ومجلة «العربي»

تعود معرفة زيادة بأحمد زكي، العالِم الكيميائي الأديب الذي يُشار إليه بالبنان، إلى سنة 1933، إذ التقيا في لجنة التأليف والترجمة والنشر في القاهرة، فيما يمكن أن يُسمَّى منتداها في أمسيات الخميس.

ولهذه المعرفة القديمة شأن في قصة «العربي»، إذ يذكر زيادة أنه هو الذي اقترح اسم أحمد زكي على الكويتيين لإدارة المجلة. فقد التقى أحمد السقاف، ففاتحه السقاف في أن يتولى رئاسة تحرير المجلة التي ينوي الكويتيون إطلاقها، فاعتذر زيادة لأنه لم يسبق له العمل في الصحافة، فكان من الصعب عليه أن ينشئ مجلة. واقترح عليه اسم أحمد زكي، وحدَّثه عن مكانته العلمية والأدبية.

فلما زار زيادة الكويت، كان الوجه الذي يستقبله بمنتهى البشاشة دومًا هو أحمد زكي، منشئ «العربي» ومحررها لسنوات. ويُنبّهنا زيادة إلى أنَّ أحمد زكي كان يقرأ كل ما يُنشر في المجلة، ولَمّا ضَعُف بصره صارت المادة تُقرأ عليه.

وقد كتب عارف حجاوي عن أحمد زكي في كتابه «أخيار وأشرار وظرفاء وثقلاء»، فقال: «هذا أهمُّ “أحمد زكي” في حياتي. هذا كيميائي مهم أنشأ في الكويت مجلة “العربي”، فأنارت لي شخصيًّا درب المعرفة. جمع “أحمد زكي عاكف” بين العلم والأدب. أنشأ معهدَ البحوث الكيميائية بمصر، وكان رئيسَ جامعة القاهرة، وكان وزيرًا. وأهمّ شيء عمله في رأيي -وستعجبون من كلامي- أنه كان يُحرِّر باب الفكاهات في مجلة “العربي” بقلمه. فلماذا قلت ما قلت؟ لقد أنشأ هذه المجلةَ المنارة، ولم يكُن يكتب مقالته ثم يولي ظهره أبدًا. كان يُحرّر بقلمه الأدبي كل المجلة، ووظَّف الكبار ليكتبوا لها، ولم يوظِّف أصحابه. هذا الشيء اسمه الإخلاص والإتقان (…) تُوفي أحمد زكي وقد جاوز الثمانين. كان شلَّال عطاء وشعلةَ نشاط. حياة أحمد زكي تقول لنا: “العلم يمكن أن يكون باللغة العربية”».

أطلْتُ في الاقتباس من حجاوي لأهميته.

نقولا زيادة في قَطَر

في الساعة الرابعة من عصر اليوم الأول من عام 1960، هبطَت في مطار الدوحة الطائرة التي حملت نقولا زيادة من البحرين. وكان في انتظاره جون لاتورل، مدير العلاقات العامة في شركة نفط قَطَر، ونزيه زيدان.

جاء زيادة إلى الدوحة ليشارك في الموسم الثقافي، وطلب منه لاتورل أن يتحدث في ناحية من نواحي النفط. فلمّا اعتذر بأنه لا عِلْم له بالنفط، شعر كأنه أُسقط في يده، لكن لاتورل فاجأه بقوله: «ومَن قال إنَّ الرجال الذين يعملون في النفط أربعًا وعشرين ساعة، ويسمعون الحديث عنه سبعة أيام في الأسبوع، يُحبّون أن يسمعوا محاضرة عن النفط؟!». فاختار زيادة موضوع «شمال إفريقيا اليوم»، وكان على لاتورل أن ينال موافقة أُولي الأمر في الدوحة، لأنَّ الموضوع خروج تامّ عن البرنامج المرسوم.

وتجوَّل زيادة في الدوحة، وتغدَّى في مطعم شرقي بصحبة نزيه زيدان، صاحب رسالة علمية عن آل الدرويش وأعمالهم التجارية. وفي اليومين التاليين تنقَّل زيادة في أنحاء قَطَر، فزار القصور الأميرية والبساتين الداخلية، والمواقع الأثرية في دخان والزبارة وأم باب. ولم يكُن ما أُنجز يومها من التنقيب إلا «خدوشًا»، إذ لم تكُن البعثة الدنماركية قد حطَّت رحالها في قَطَر بعد. لكنَّه اطَّلع في زياراته اللاحقة على آثار اتضح من دراستها أنَّ حضارتَي البحرين وقَطَر فرعان لأصلٍ واحد.

وكان مصطفى مراد الدباغ، المفتش السابق في إدارة معارف فلسطين، ثم وكيل وزارة التربية والتعليم في الأردن، قد تولى إدارة المعارف في قَطَر. وكانت تربط زيادة به زمالة وصداقة، فكان طبيعيًّا أن يزور صاحب كتاب «بلادنا فلسطين». ويذكر زيادة أنَّه وجد في الساعتين اللتين قضاهما في مكتبه من المعلومات عن قَطَر ما لم يكُن ليحصل على مثله من أحد غيره.

وفي كتابه «أنا البحر» يحكي عارف حجاوي قصة واحد من الهاربين، ضاعت أوراقه في أعماق البحر وهرب من الصهاينة وجرائمهم في أرض فلسطين. يقول حجاوي: «وهذا رَجُل آخَر هرب بأوراقه وهو يؤلِّف كتابًا. كان مصطفى مراد الدباغ في الخمسين من عمره عندما اشتد القصف على مدينته يافا بفلسطين، وطوَّقتها العصابات الصهيونية. أحاط الموت بيافا بين الماء والنار. واختار صاحبنا الماء. ركب البحر فرارًا بِرُوحه، ولم يصحب معه سوى ستة آلاف ورقة، هي مُسوَّدة كتابه الكبير. ولم يمضِ المركب طويلًا حتى ماج البحر، فأمَرَ القبطان الركاب بإلقاء كل ما معهم في البحر، وإلا فهو الغرق. وابتلع البحر الكتاب. ولكن الدباغ استعان بالذاكرة، وبالمراجع التي توفرَت له في المنفى، وأصدر كتابَ عُمُرِه “بلادنا فلسطين”. تُوفي الدباغ وقد جاوز التسعين ودُفن في لبنان».

ثم قَصَدَ بالسيارة «أم سعيد» (مسيعيد اليوم). كانت الدوحة يومها، ولا تزال، عاصمة قَطَر، لكن أم سعيد كانت عاصمتها التجارية: منها يُنقل النفط في ناقلاته، وفيها تقوم صناعات متنوعة. وقد وجد زيادةُ الدوحةَ حين عاد إليها عام 1977 شيئًا مختلفًا تمامًا عما عرفه سنة 1960.

ألقى زيادة محاضرته في نادي شركة نفط قَطَر بأم سعيد، بعد عشاء أُقيم للحضور. وكان موظفو الشركة قد نُقلوا بالطائرات الصغيرة من دخان والدوحة إلى النادي. ونجحت المحاضرة. ويكشف لنا سِرَّ نجاحها بقوله: «ومحاضراتي تنجح عادة لأنني أُعِدّها وأُرتّبها وأُنظّمها، وأنا في الغالب أرتجلها، وقد مرّنت نفسي على ذلك من قبل».

تقابل كذلك المؤرخ نقولا زيادة في رحلته للدوحة مع أحمد عناني من طلاب الكلية العربية (القدس) الذي كان قد نال بجده واجتهاده واهتمامه بتاريخ قَطَر، حظوة في الدوحة، ورأيت اسم عناني في كتاب أبحاث ندوة مؤتمر دراسات تاريخ شرق الجزيرة العربية الذي أقيم في مدينة الدوحة سنة 1967، وكان بحثه بعنوان «المعالم الأساسية لتاريخ قَطَر الحديث».

زيارة ثانية للدوحة

في عام 1969 دعت شركات النفط المؤرِّخ نقولا زيادة وزوجته مرغريت إلى زيارة الكويت والبحرين وقَطَر وأبو ظبي. وقد أكرمته كثيرًا كما يقول، وألقى في قَطَر خَمْس محاضرات، لأنَّ الموظفين والعمّال في دخان، وهُم بالعشرات، أرادوا أن تكون لهم محاضرة خاصة بهم. ولم ينسَ أنهما حين صعدا إلى الطائرة الصغيرة التي ستُقِلُّهما من الدوحة إلى دخان، أمسكت زوجته مرغريت بيده وقالت: «ألا يمكن أن نذهب بالسيارة؟ هل هذه الطائرة آمنة؟». وكان ركابها أربعة، وهي لا تتسع لأكثر من عشرة. وفي هذه المرة انتقل من شاء من أم سعيد إلى الدوحة لسماع المحاضرة، فقد آنَ للعاصمة أن تثبت مكانتها، وإن ظلَّ النادي الفخم في أم سعيد.

ثم غاب زيادة عن قَطَر حتى سنة 1977، حين شارك في مؤتمر عن تاريخ شرق الجزيرة العربية ببحث عن «شرق الجزيرة في مؤلفات الجغرافيين العرب من أهل القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)». والتقى يومها زملاء وأصدقاء بعد انقطاع دام سنوات. وهو يرى أنَّ هذه المؤتمرات تحمل من يحضرها على أن يقدح زناد فكره ليكتب بحثًا يليق به وبزملائه، وأنها تُعيد إلى الأصدقاء المتباعدين أواصر الصلة أسبوعًا أو نحوه.

ويضيف زيادة عن مؤتمر الدوحة معلومة طريفة، فقد فوجئ أعضاء المؤتمر بعد وصولهم بأنَّ حاكم رأس الخيمة يدعوهم إلى زيارة إمارته. وأرسل إليهم طائرة حملتهم في الصباح إلى رأس الخيمة، فتجولوا في الإمارة الصغيرة، وتفقدوا آثارها وما نُقّب عنه منها، ثم كان غداء كريم واستقبال نيابة عن الشيخ، وعادوا إلى الدوحة في المساء.

هكذا تحفَظ لنا مذكرات نقولا زيادة صورة الخليج في لحظة التحوُّل: الدوحة التي تتغير كلَّما زارها، ويكتشف عن مدينة يختلف شكلها وتسارع خطواتها للحداثة، وتلك هي قيمة المذكرات، أنها تلتقط تطوُّر المدن في أعيُن الزائرين حينما يكتبون عنها. وقد أعاد نقولا زيادة نشر رحلاته في كتاب مفرد بعنوان «حول العالم في 76 عاما»، بعناية نوري الجراح، وضم إليه رحلاته إلى دول الخليج ومنها قَطَر.

شارك

مقالات ذات صلة