Blog
الكاتب: أحمد الياماني
قرأت على فيسبوك منشورًا للدكتور عبد الرحمن الحاج، توقفت عند عبارته: “المؤثرون ليسوا أقل من مشروع حرب أهلية إذا استخدموا في السياسة”.
وهي عبارة تستحق التأمل في سياق ما تشهده سوريا بعد سقوط النظام، حيث لم يعد تأثير بعض أصحاب المنصات مقتصرًا على صناعة المحتوى، بل امتد إلى المشهد السياسي، بما يحمله ذلك من مخاطر التحريض وتأجيج الانقسامات، فضلًا عن توظيف هذا التأثير أحيانًا لصرف الأنظار عن مساءلة المسؤولين وملفات الفساد.
في هذه المرحلة، برز المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي بوصفهم فاعلين يتجاوز تأثير بعضهم حدود الترفيه وصناعة المحتوى. فالمؤثر الذي يتابعه مئات الآلاف، وربما الملايين، لم يعد مجرد شخص يعرض يومياته أو يعبّر عن رأيه، بل أصبح قادرًا على توجيه النقاش العام، وصناعة الانطباعات، وتحديد من يستحق التعاطف ومن ينبغي أن يكون موضع الشك والاتهام.
وهنا تبدأ المشكلة حين تتحول الشعبية الرقمية إلى سلطة سياسية لا تخضع للمساءلة.
ليست المشكلة في أن يتحدث المؤثر في السياسة، أو أن ينتقد السلطة الجديدة أو يدافع عنها؛ فهذا حق من حقوق التعبير.
المشكلة تبدأ عندما يتخلى عن المسؤولية، فينشر خبرًا بلا دليل، أو يقتطع مقطعًا من سياقه، أو يحوّل الخلاف مع مسؤول أو تيار سياسي إلى عداء مع جماعة كاملة، أو يستخدم الانتماء الديني والطائفي والمناطقي لتعبئة جمهوره ضد الآخرين.
وفي سوريا، التي عاشت حربًا طويلة خلّفت ضحايا ومهجّرين وذاكرة مثقلة بالخوف والانتقام، لا يمكن التعامل مع الكلمات بوصفها منشورات عابرة. فقد تتحول جملة تُكتب في لحظة انفعال إلى اتهام جماعي، ثم إلى مبرر للكراهية والعنف.
فالحرب الأهلية لا تحتاج دائمًا إلى من يحمل السلاح؛ يكفي أحيانًا أن تجد من يزرع الشكوك، ويغذي الأحقاد، ويقنع كل جماعة بأن خلاصها لا يكون إلا على حساب الأخرى.
والأخطر أن بعض المؤثرين لا يكتفون بتقديم قراءة منحازة للأحداث، بل يصنعون لجمهورهم عدوًا يضمن استمرار المحتوى وانتشاره.
فبدلًا من تقديم المعلومات، يقدمون روايات جاهزة، وبدلًا من مناقشة السياسات والقرارات، يختزلون المشهد في معسكرين: وطني وخائن، ثوري وعميل، معنا أو ضدنا.
وعندها يصبح السؤال عن أداء الحكومة تآمرًا في نظر بعضهم، وانتقاد معارضيها دليلًا على العمالة في نظر آخرين. وهكذا تتحول السياسة من إدارة للاختلاف إلى معركة لإلغاء الآخر.
ولا يقل خطورة عن ذلك استثمار بعض أصحاب المنصات في الغضب لتحقيق الشهرة والمشاهدات. فالمحتوى الهادئ الذي يشرح الوقائع ويميّز بين المسؤولية الفردية والاتهام الجماعي قد لا ينتشر بقدر مقطع مليء بالصراخ والشتائم.
ومع الوقت، يصبح التصعيد أكثر ربحًا من التهدئة، وتتحول معاناة السوريين إلى مادة للاستهلاك اليومي، تُستثمر فيها مشاعر الخوف والغضب بدل المساهمة في معالجتها.
وثمة وجه آخر للمشكلة، حين يتحول بعض المؤثرين إلى أدوات في أيدي مسؤولين يريدون حماية أنفسهم من المساءلة أو صرف الأنظار عن إخفاقاتهم وملفات الفساد المرتبطة بهم.
ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن إجابة عن صفقة مشبوهة، أو قرار مثير للجدل، أو ملف يستوجب التحقيق، قد تنطلق معارك إعلامية جانبية تستحوذ على الاهتمام. ينشغل الناس بسجالات المؤثرين ويتبادلون الاتهامات، بينما تتراجع الأسئلة الأساسية إلى الخلف.
هنا قد يصبح المؤثر ستارًا إعلاميًا يحتمي خلفه المسؤول، أو أداة لصرف الأنظار عن الملفات التي لا يريد وصولها إلى الرأي العام.
وقد يحدث ذلك بتنسيق مباشر، أو عبر مصالح متبادلة، أو باستغلال مسؤولين لمؤثرين مستعدين لخوض المعارك نيابة عنهم. ولا يصح اتهام شخص بعينه بهذا الدور من دون دليل، لكن من الضروري الانتباه إلى خطورة تحويل النفوذ الرقمي إلى وسيلة لحماية أصحاب النفوذ السياسي والمالي.
والمفارقة أن بعض هؤلاء يرفعون شعارات محاربة الفساد والدفاع عن الشعب، بينما يوجهون غضب جمهورهم نحو خصوم محددين ويتجاهلون ملفات أخرى.
فتصبح المحاسبة انتقائية: يُفضح فساد الخصم ويُبرر فساد الحليف، وتُرفع المطالب بالشفافية حين تكون سلاحًا ضد الآخرين، ثم تختفي عندما تقترب من الدائرة المقرّبة.
وهكذا يصبح المؤثر، بدلًا من أن يكون عين المجتمع على السلطة، جزءًا من منظومة تحميها من النقد.
لذلك، لا يكفي أن نسأل: ماذا يقول هذا المؤثر؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ما الذي يتجاهله؟ ومن المستفيد من المعركة التي يخوضها؟ وأي قضية تختفي كلما ارتفع صوته؟
ومع ذلك، يجب التمييز بين من يمارس حقه في النقد، ولو كان قاسيًا، وبين من يستخدم جمهوره لتبرير الكراهية أو التشجيع على الانتقام.
فليس كل من يدافع عن السلطة الجديدة محرّضًا، وليس كل من يعارضها متآمرًا. المعيار هو ما يقوله الشخص، والأدلة التي يستند إليها، واستعداده لتصحيح أخطائه.
إن مسؤولية المؤثر لا تعني أن يصمت، بل أن يتحمل تبعات كلمته. ومن حقه أن يكشف الفساد، وينتقد القرارات الحكومية، ويطالب بالمحاسبة؛ فالمجتمع الذي يمنع النقد باسم الاستقرار يهيئ الظروف لعودة الاستبداد.
لكن حرية التعبير لا تعني التضليل، والنقد لا يعني التحريض، والشعبية لا تمنح أحدًا حصانة أخلاقية أو سياسية.
لا تحتاج سوريا إلى مؤثرين يوزعون شهادات الوطنية والخيانة من خلف الشاشات، ولا إلى جماهير تُستثار لتخوض معارك الآخرين، ولا إلى مسؤولين يجدون في الضجيج الرقمي وسيلة للهروب من المساءلة.
إنها تحتاج إلى أصوات تشرح ولا تضلل، تنتقد ولا تنتقم، وتدرك أن بناء الدولة يقوم على القانون والمحاسبة، لا على صناعة الأعداء وتضليل الناس.
فليس أخطر على سوريا من أن تنتهي الحرب على الأرض، بينما يواصل بعضهم إشعالها في عقول الناس؛ وليس أكثر إهانة لضحاياها من أن تتحول أنقاض الوطن إلى منصة يصعد عليها تجار الفتنة، فيما يتوارى الفاسدون خلف دخان المعارك المفتعلة.
