اقتصاد

سوريا ومعضلة الإصلاح.. الاقتصاد اختبار للمرحلة الانتقالية

سبتمبر 16, 2026

سوريا ومعضلة الإصلاح.. الاقتصاد اختبار للمرحلة الانتقالية

أحمد الياماني

لا يمكن قراءة التحوُّلات الاقتصادية التي تشهدها سوريا خلال الأشهر الأخيرة باعتبارها مجرَّد سلسلة من القرارات المتعلقة بالأسعار والدعم والإنفاق العام. المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ فهي تتصل بالسؤال الأصعب الذي تواجهه أي دولة خارجة من حرب وانهيار مؤسساتي: كيف يمكن إصلاح اقتصاد موروث من نظام استنزف موارده، من دون أن يتحوَّل ثمن الإصلاح نفسه إلى عاملٍ يهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي؟

هذه المعضلة ليست سورية بامتياز، وإن كانت سوريا تقدم نموذجاً شديد التعقيد لها. في أدبيات التحوُّل السياسي والاقتصادي، إشكالية الإصلاح في المجتمعات التي تنتقل من نظامٍ إلى آخر، ولا سيما التوتر بين الحاجة إلى إجراءات اقتصادية مؤلمة وبين قدرة النظام السياسي الجديد على الحفاظ على القبول الاجتماعي خلال فترة الانتقال.

الفكرة الأساسية هنا بسيطة، لكنَّها شديدة القسوة: تكلفة الإصلاح تظهر الآن، بينما ثماره تحتاج إلى وقت حتى تظهر. الدولة الخارجة من الحرب لا تبدأ من نقطة الصفر. إنَّها ترث مؤسسات ضعيفة، ومالية عامة مثقلة، وقطاعات إنتاجية متراجعة، وبنية تحتية مدمرة، وتشوهات في سوق العمل والأسعار، إضافة إلى مجتمع أنهكته سنوات من الفقر والنزوح وفقدان مصادر الدخل. وفي مثل هذه الظروف يصبح استمرار السياسات القديمة مكلفاً، لكن التخلص منها ليس مجانيًّا أيضاً.

الدعم الواسع، والإنفاق غير المنضبط، وتثبيت الأسعار بصورة مصطنعة، وتمويل الخسائر المستمرة ليست حلولاً قابلة للاستمرار إلى ما لا نهاية. لكنَّها في الوقت ذاته كانت بالنسبة إلى قطاعاتٍ واسعة من المجتمع وسيلة للبقاء. ولذلك فإنَّ إلغاءها أو تقليصها دون بناء بدائل اجتماعية يجعل الإصلاح الاقتصادي يبدو للمواطن وكأنَّه عقوبة، حتى لو كان ضرورياً من منظور اقتصادي.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: ما هو ضروري للاقتصاد على المدى الطويل قد يكون مكلفاً سياسياً على المدى القصير.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تحتاج سوريا إلى إصلاح اقتصادي؟ من الصعب تصور خروج مستدام من الأزمة من دون إصلاح عميق. السؤال الأكثر أهمية هو: كيف يُنفذ الإصلاح؟ ولصالح من؟ ومن يتحمل تكلفته؟ ومتى تبدأ نتائجه بالظهور؟

وهذا تحديداً ما يجعل الإصلاح الاقتصادي في المرحلة الانتقالية مختلفاً عن الإصلاح في دولة مستقرة.

في الدولة المستقرة يمكن للحكومة أن تقول إنَّ إجراءات اليوم ستنتج نمواً بعد سنوات، لأنَّ مؤسسات الدولة موجودة، وشبكات الحماية الاجتماعية أكثر رسوخاً، والثقة العامة أكثر قابلية للتعويض. أمَّا في المرحلة الانتقالية، فالحكومة الجديدة لا تمتلك بالضرورة رصيداً متراكماً من الثقة، والمجتمع يكون أكثر حساسية تجاه أي قرار يمس دخله أو أمنه المعيشي.

لذلك فإنَّ الإصلاح يحتاج إلى تفويض اجتماعي واضح.

والتفويض لا يعني أن يوافق كل مواطن على كلِّ قرار، وإنَّما أن يفهم المجتمع الاتجاه العام للإصلاح، وأسبابه، وتكاليفه، والفئات التي ستتحمل العبء الأكبر، والسياسات التي ستتخذها الدولة لحماية الأكثر هشاشة.

الشفافية هنا ليست ترفاً إعلامياً. إنَّها جزء من السياسة الاقتصادية نفسها.

فحين تتخذ الدولة قراراً اقتصادياً من دون شرح كافٍ، يتحوَّل الفراغ المعلوماتي سريعاً إلى شائعاتٍ وتفسيرات متضاربة. أمَّا حين تشرح الحكومة مسبقاً حجم المشكلة، والخيارات المتاحة أمامها، وما الذي ستفعله لتخفيف الأثر الاجتماعي، فإنّها تمنح المجتمع فرصة لفهم الضرورة، حتى لو لم يكن الجميع راضياً عن تفاصيل القرار.

وهذا يقود إلى مسألة أخرى لا تقل أهمية: العدالة.

لا يستطيع المواطن أن يتحمل برنامجاً اقتصادياً صعباً إذا شعر أنَّ التضحيات موزعة بصورةٍ غير عادلة. الإصلاح الذي يطلب من محدودي الدخل تحمل ارتفاع تكاليف المعيشة، بينما لا يرى المواطن أي تغيير في أنماط الإنفاق والامتيازات داخل مؤسسات الدولة، سيخلق فجوة خطيرة بين الخطاب الرسمي والتجربة اليومية للناس.

المطلوب ليس إظهار دولة فقيرة أو تعطيل مؤسساتها، وإنَّما أن يكون هناك انسجام بين خطاب التقشف والانضباط المالي وبين سلوك مؤسسات الحكم. فالعدالة ليست فقط في الأرقام، بل أيضاً في الصورة التي تنتجها الدولة عن نفسها أمام المجتمع.

والأهم من ذلك أنَّ الإصلاح يجب ألا يسمح بسقوط الفئات الأضعف خارج النظام الاقتصادي. الانتقال من الدعم العام إلى الدعم الموجه، مثلاً، لا ينبغي أن يعني التخلي عن الحماية الاجتماعية، بل إعادة تصميمها بحيث تصل الموارد إلى من يحتاجها فعلاً.

فالنجاح الاقتصادي لا يقاس فقط بانخفاض العجز أو استقرار العملة أو جذب الاستثمار. هناك مؤشر آخر أكثر حساسية في مرحلة انتقالية: هل استطاع المجتمع عبور فترة الإصلاح من دون أن تتفكك طبقاته الأكثر هشاشة؟ من هنا يصبح التواصل الحكومي جزءاً من الإصلاح وليس مجرَّد وظيفة للعلاقات العامة. وهناك فرق بين الإعلام والاتصال: الإعلام يخبر الناس بالقرار بعد اتخاذه، أما الاتصال فيبدأ قبل القرار، عبر الاستماع، وشرح الخيارات، واستقبال الاعتراضات، وتعديل السياسات عندما تكشف المعلومات الجديدة آثاراً لم تكن محسوبة.

وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام سوريا اليوم.

فالإصلاح الاقتصادي قد يكون ضرورياً، لكن ضرورته لا تمنحه تلقائياً الشرعية الاجتماعية. والقرار الصحيح اقتصادياً يمكن أن يفشل سياسياً إذا فُرض بطريقة تجعل المجتمع يشعر بأنه مجرد متلقٍ للتكاليف.

لقد علّمنا برزيفورسكي أنَّ الديمقراطية والإصلاحات الاقتصادية في مراحل الانتقال لا تتحرك دائماً في الاتجاه نفسه؛ فالإصلاحات تحتاج إلى تحمل اجتماعي، بينما الديمقراطية تفتح المجال للتعبير عن الألم والاعتراض. ومن هنا تصبح إدارة التوقعات، وبناء الثقة، وحماية الفئات المتضررة، عناصر أساسية في نجاح الانتقال.

سوريا لا تحتاج فقط إلى إصلاح اقتصادها، بل إلى إدارة اجتماعية وسياسية للإصلاح الاقتصادي.

فالاقتصاد يستطيع أن ينتج أرقاماً أفضل بعد سنوات، لكن السياسة مطالبة بأن تجعل المجتمع قادراً على الوصول إلى تلك السنوات. وبين الضرورة الاقتصادية والقدرة الاجتماعية على الاحتمال تقع المعركة الحقيقية للمرحلة، فإنَّ السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس فقط: “هل الإصلاح صحيح؟”، بل أيضاً: هل تستطيع الدولة أن تقنع المجتمع بضرورته، وتحميه من كلفته، وتثبت له أنَّ التضحيات موزعة بعدالة، وأنَّ المستقبل الذي تعد به ليس مجرَّد وعد مؤجل؟

إذا لم تجد المرحلة الانتقالية جواباً عن هذه الأسئلة، فقد يصبح الإصلاح نفسه مصدراً لأزمةٍ جديدة. أما إذا استطاعت بناء الثقة حوله، فقد يتحوَّل الألم المؤقت إلى الطريق الذي يقود فعلاً إلى اقتصاد أكثر استقراراً ودولة أكثر قدرة على الاستمرار.

شارك

مقالات ذات صلة