سياسة

سوريا بعد الأسد من سقوط النظام إلى بناء الدولة

سبتمبر 13, 2026

سوريا بعد الأسد من سقوط النظام إلى بناء الدولة

إبراهيم مصطفى

لم يكن سقوط نظام بشار الأسد نهاية القصة السورية بقدر ما كان بداية لمرحلةٍ أكثر تعقيداً، فبعد سنواتٍ طويلة من الحرب والدمار والانقسام، وجدت سوريا نفسها أمام واقعٍ جديد فرض أسئلة لم تكن مطروحة بهذا الشكل من قبل: كيف يمكن بناء دولة قادرة على استعادة مؤسساتها؟ كيف يمكن إعادة توحيد مجتمع أنهكته الحرب؟ وكيف يمكن الانتقال من مرحلة الصراع على السلطة إلى مرحلة بناء دولة يشعر جميع السوريين بأنَّها تمثلهم وتحمي حقوقهم؟

هذه الأسئلة تبدو اليوم أهم من سؤال سقوط النظام نفسه، لأنَّ إسقاط نظام سياسي مهما كان عمره لا يعني بالضرورة بناء نظام مستقر مكانه. سوريا ورثت بعد سنوات الحرب واقعاً شديد التعقيد: اقتصاد منهك، وبنية تحتية مدمرة، وملايين السوريين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم، إضافة إلى قوى عسكرية ومناطق نفوذ وملفات سياسية وأمنية متشابكة.

ولذلك، فإنَّ التحدي الحقيقي أمام السلطة الجديدة لا يتعلَّق فقط بإدارة مؤسسات الدولة، وإنَّما بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. خلال السنوات الماضية تراجعت ثقة السوريين بمؤسسات الدولة إلى مستوياتٍ كبيرة نتيجة الحرب والقمع والانقسام، ولهذا فإنَّ بناء الثقة سيكون أحد أصعب الملفات في المرحلة المقبلة.

الثقة لا تبنى بالخطابات السياسية وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات تعمل بشكلٍ واضح، وقوانين تطبق على الجميع، وعدالة لا تقوم على الانتقام ولا تميز بين ضحيةٍ وأخرى. وهنا يظهر ملف العدالة الانتقالية باعتباره أحد أهم الملفات التي ستحدد شكل سوريا الجديدة.

السوريون الذين فقدوا أبناءهم أو منازلهم أو عاشوا سنواتٍ من الاعتقال والخوف لن يكون من السهل إقناعهم بتجاوز الماضي من دون محاسبة. وفي الوقت نفسه، فإنَّ تحويل العدالة إلى وسيلة للانتقام قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من العنف. ولهذا تحتاج سوريا إلى مسار عدالة واضح يحاسب المسؤولين عن الجرائم الكبرى، ويحفظ حقوق الضحايا، ويمنع في الوقت نفسه تحويل الدولة إلى أداةٍ للثأر.

لكن العدالة ليست التحدي الوحيد. هناك أيضا مسألة توحيد البلاد سياسيًّا وعسكريًّا، فالحرب تركت وراءها قوى ومجموعات مسلَّحة ومناطق تختلف في رؤيتها لمستقبل الدولة. وهذا يجعل بناء جيش ومؤسسات أمنية موحدة تحت سلطة الدولة من أهم الاختبارات التي ستواجه سوريا.

النجاح في هذا الملف يعني الانتقال من منطق المناطق والقوى المسلحة إلى منطق الدولة، أمَّا الفشل فقد يعني استمرار حالة الانقسام حتى من دون وجود حرب شاملة.

وفي الجانب الآخر تقف الأزمة الاقتصادية كواحدةٍ من أكثر القضايا إلحاحاً، فلا يمكن بناء دولة مستقرة من دون اقتصاد قادر على توفير فرص العمل وتحسين الخدمات وإعادة إعمار المدن والقرى التي دمرتها الحرب. وهذا يحتاج إلى استثمارات كبيرة، وإلى انفتاح اقتصادي، وإلى بيئة سياسية وأمنية تسمح للسوريين في الداخل والخارج بإعادة بناء ما تهدم.

لكن الاقتصاد لا ينفصل عن السياسة، فالمستثمر يحتاج إلى الاستقرار، والمواطن يحتاج إلى فرصة عمل، والدولة تحتاج إلى موارد، وكل ذلك يحتاج إلى مؤسساتٍ مستقرة وقوانين واضحة.

كما أنَّ عودة اللاجئين ستكون مرتبطة بشكل مباشر بقدرة الدولة الجديدة على توفير الأمن والخدمات والفرص. فمن الصعب أن يعود ملايين السوريين إلى بلدٍ لا يشعرون فيه بوجود مستقبلٍ واضح. ومن هنا فإنَّ ملف اللاجئين لن يكون مجرَّد قضيةٍ إنسانية، بل سيكون جزءاً أساسياً من عملية إعادة بناء سوريا.

أمَّا على المستوى الإقليمي، فإنَّ سوريا الجديدة ستجد نفسها أمام علاقات معقَّدة مع دول الجوار والقوى الدولية. فموقع سوريا الجغرافي جعلها طوال عقود جزءا من صراعات المنطقة، ولهذا فإن الحفاظ على سيادة الدولة ومنع تحول الأراضي السورية مرة أخرى إلى ساحة صراع إقليمي سيكون تحديا أساسيا أمام القيادة الجديدة.

وقد تكون هذه المرحلة فرصة لإعادة بناء علاقات سوريا مع محيطها على أساس المصالح المشتركة بدلاً من سياسة المحاور والصراعات المفتوحة.

لكن كل ذلك يحتاج إلى وقت. وهنا ربما تكمن أكبر مشكلة تواجه السوريين اليوم: التوقعات مرتفعة جداً، بينما حجم التحديات أكبر بكثير. الكثيرون يريدون نتائج سريعة بعد سنواتٍ طويلة من الانتظار، لكن بناء الدولة لا يحدث خلال أشهر.

الدولة تحتاج إلى مؤسسات، والمؤسسات تحتاج إلى قوانين، والقوانين تحتاج إلى وقتٍ حتى تصبح جزءًا من الحياة اليومية. لذلك فإنَّ نجاح سوريا الجديدة لن يقاس فقط بما يحدث في القصر الرئاسي أو في المؤتمرات الدولية، بل بما يحدث في المدرسة والمستشفى والجامعة ومكان العمل.

سيقاس بقدرة المواطن على الحصول على حقه من دون واسطة، وبقدرته على التعبير عن رأيه من دون خوف، وبقدرته على تأمين حياة كريمة لعائلته.

سوريا اليوم أمام فرصةٍ تاريخية، لكن الفرصة وحدها لا تكفي. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى مشروعٍ واضح لبناء الدولة، وإلى مشاركةٍ واسعة من السوريين، وإلى قدرةٍ على تجاوز الانقسامات التي صنعتها سنوات الحرب.

سقوط الأسد أنهى مرحلة سياسية طويلة، لكن بناء سوريا الجديدة هو التحدي الحقيقي، والسؤال الذي سيحدد مستقبل البلاد لن يكون فقط من حكم سوريا بعد الأسد، بل أي دولة ستُبنى بعد الأسد، وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

شارك

مقالات ذات صلة