مجتمع
علي البرغوث
في خضم المراجعات الفكرية والمواجهات الميدانية المعقدة التي رافقت عسكرة النزاع السوري، برزت أسماء قيادية جمعت بين التأصيل الفقهي والتخطيط العسكري والاستراتيجي. وكان عبد الفتاح عروب، المعروف بلقبه الميداني “أبو الزبير الحموي” (1982 – 2014)، أحد أكثر القادة الميدانيين تأثيراً وحساسية في الوسطين الشمالي والوسطي للبلاد. لم يكن عروب مجرَّد قائد عسكري يخوض المعارك الميدانية، بل كان منظراً إداريًّا وفكريًّا شغل عضوية مجلس شورى “حركة أحرار الشام الإسلامية” وتولَّى قيادة قطاع حماة و”لواء الإيمان”، حيث عرف بطرحه التنظيمي القائم على ترسيخ المؤسساتية، ونبذ الغلو الأيديولوجي، والمواجهة المبكرة والمباشرة ضدَّ التنظيمات المتطرفة وفي مقدمتها تنظيم “داعش”.
التحول من العمل المدني والدعوي إلى التأسيس العسكري في حماة
وُلد عبد الفتاح عروب عام 1982 في مدينة حماة، ونشأ في بيئةِ اجتماعية اهتمت بالعلوم الشرعية والفقهية؛ حيث عُرف بشغفه المبكر بتحصيل العلم والتأصيل الفقهي على يد شيوخ وعلماء المدينة، إلى جانب نشاطه الدعوي والتربوي رغماً عن التضييق الأمني الشديد الذي فرضته الأجهزة الاستخباراتية قبل عام 2011. ومع انطلاق الانتفاضة الشعبية في آذار/مارس 2011، كان عروب من أوائل المساهمين في تنظيم التظاهرات والأنشطة السلمية الأولى داخل أحياء مدينة حماة وتوثيق الانتهاكات الميدانية، إضافة إلى المشاركة في إغاثة العائلات النازحة والملاحقة أمنياً، وتنسيق الجهود مع الكتل الشبابية والنشطاء المحليين.
عقب اقتحام الجيش السوري لمدينة حماة في آب/أغسطس 2011 واشتداد الملاحقات الأمنية، انتقل عروب نحو الخيار المسلح لحماية أحياء المدينة ومحيطها، فأسس “كتيبة صلاح الدين” التي غدت إحدى أبرز الكتل العسكرية المنظمة داخل حماة. ومع تصاعد الضغط العسكري واستحالة الاستمرار الميداني داخل الأحياء المغلقة، قاد عملية انسحاب تكتيكي لنواة كتيبته نحو ريف حماة والشمال السوري، ليستكمل هناك عملية اندماج واسعة جمعت نحو إحدى عشرة كتيبة محلية تحت مظلة “لواء الإيمان”، وهو التشكيل العسكري والأمني الذي أصبح لاحقاً العمود الفقري لعمليات حركة أحرار الشام في محافظة حماة وريفها وريف إدلب الجنوبي، متميزاً بالانضباط والقدرة على إدارة المحاور والتفاوض.
“إنَّ الخطورة الحقيقية على مجتمعاتنا تكمن في الجهل المكسو بالتدين السطحي؛ فالواجب الأخلاقي والفقهي يفرض علينا حماية ثورة الشعب ومواجهة أيِّ مشروعٍ يرفع السلاح في وجه المجتمع، سواء كان استبداداً عسكريًّا أو غلواً أيديولوجيًّا يكفر الأمة.”
من أدبيات عبد الفتاح عروب (أبو الزبير الحموي) في توجيهاته للكوادر الميدانية (2013).
إدارة قطاع حماة والمواجهة المبكرة ضد التمدد التكفيري
بفضل خلفيته الفقهية وحسه الإداري الصارم، حظي أبو الزبير الحموي بثقة واسعة بين القادة الميدانيين والعلماء والمحللين؛ فتمَّ تعيينه عضواً في مجلس شورى حركة أحرار الشام، ومسؤولاً عاماً عن قطاع حماة. اعتمد عروب في إدارته للقطاع على مبدأ الشورى والعمل المؤسساتي وتأطير المكاتب الشرعية والإغاثية، مركزاً على التثقيف الوقائي للشباب المقاتلين لمقاومة الأفكار المتطرفة، ومحذراً مبكراً من خطر التكفير والتدين السطحي الذي بدأ يتسلل إلى صفوف بعض الفصائل المسلحة، معتبراً إياه اختراقاً يهدد الثورة والمجتمع السوري من الداخل.
ومع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وتوسعه في ريف حلب الشمالي والشرقي أواخر عام 2013 وبداية 2014، كان أبو الزبير الحموي في مقدمة القيادات التي دعت إلى المواجهة الحاسمة والمباشرة ضدَّ التنظيم. قاد قواته في معارك ريف حلب الشرقي وريف إدلب، ولعب دوراً مفصلياً في كسر التمدد الأيديولوجي والعسكري للتنظيم في تلك المناطق وإعادة فتح خطوط الإمداد للفصائل المحلية وتأمين معابر الإغاثة للمدنيين، مؤكِّداً في مناظراته ورسائله الميدانية على تحريم الانجرار خلف الشعارات البراقة التي تشرع دماء المدنيين والمقاتلين، ومشدداً على أنَّ الدفاع عن كرامة المجتمع السوري يقتضي قتال الاستبداد والتطرف في آنٍ واحد وبنفس القوة.
عملية رام حمدان واغتيال القيادة التأسيسية
توجت المسيرة العسكرية والفكرية لأبي الزبير الحموي في فترة شهدت توترات استخباراتية وميدانية معقدة للغاية في الشمال السوري، حيث كانت تتداخل التجاذبات الإقليمية والميدانية وتزداد التهديدات الاستراتيجية للتيار المعتدل. وفي يوم الثلاثاء 9 أيلول/سبتمبر 2014، وأثناء انعقاد اجتماع مغلق لمجلس شورى وقيادة حركة أحرار الشام في المقر السري المحصن تحت الأرض المعروف باسم “المقر 50” بالقرب من بلدة رام حمدان في ريف إدلب، تعرَّض المقر لاغتيال غامض ومكثَّف بعبواتٍ ومواد سامة وانفجار داخلي متطور أدى إلى انهيار المخرج والتهوية.
أسفرت التفجيرات عن مقتله على الفور إلى جانب الجيل المؤسس والقيادي للحركة، وفي مقدمتهم القائد العام حسان عبود (أبو عبد الله الحموي)، والقائد العسكري أبو طلحة الغابي، والشرعي العام أبو يزن الشامي، وعدد من كبار القادة الميدانيين والإداريين. شكَّلت تلك التصفية الجماعية صدمة كبرى للشارع السوري والمعارضة المسلَّحة، ونعته الهيئات الحقوقية والائتلاف الوطني بصفتها ضربة استهدفت التيار الأكثر توازناً وتنظيماً في الشمال السوري، ممَّا أحدث فراغاً قياديًّا كبيراً أثر على مسار التوازنات الميدانية اللاحقة.
والتفاوض.
تكمُن القيمة التاريخية والاستراتيجية لعبد الفتاح عروب (أبو الزبير الحموي) في كونه جسر الربط بين العمل الميداني العسكري والتأصيل الفكري التنويري؛ حيث سعى لتأسيس تجربةٍ عسكرية كفؤة تحمي المجتمع دون أن تخضع للأيديولوجيات العابرة للحدود، ليظلَّ اسمه مدرجاً كأحد أبرز القادة الذين تصدوا للنظام والتطرف على حدٍّ سواء برؤية مؤسساتية متماسكة.