Blog

أبو الظهور.. اختبار مُبكّر للسيادة العسكرية السورية

أغسطس 23, 2026

أبو الظهور.. اختبار مُبكّر للسيادة العسكرية السورية

محمد عبد الحميد السطم
لم يكن قصف إسرائيل لقاعدة أبو الظهور الجويَّة في ريف إدلب، في 18 أغسطس/آب، مجرَّد عمليةٍ عسكرية استهدفت منشأةً سورية. فقد جاءت الضربة، التي نُفذت بثماني غارات، في سياقٍ تتقاطع فيه 3 تطورات مترابطة: مساعي دمشق لإعادة بناء مؤسَّسات الدولة، وتنامي التعاون العسكري بينها وبين أنقرة، وسعي إسرائيل إلى منع تشكُّل ترتيباتٍ عسكرية جديدة في سوريا ترى فيها تهديداً لمصالحها الأمنية.

ومن هذه الزاوية، تتجاوز دلالة الضربة آثارها العسكرية المباشرة؛ فهي تفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل المؤسَّسة العسكرية السورية، وحدود الدور التركي في إعادة بنائها، والقيود التي تسعى إسرائيل إلى فرضها على مسار إعادة تشكيل القوة العسكرية السورية.

أبو الظهور أهمية تتجاوز القاعدة

تتجاوز أهمية قاعدة أبو الظهور كونها منشأةً عسكرية سورية قديمة. فقد خرجت عن الخدمة خلال سنوات الحرب، وأصبحت إعادة تأهيلها جزءًا من الجهود الرامية إلى استعادة البنية التحتية للمؤسسة العسكرية السورية وإعادة تفعيل قدراتها.

ويمنح موقع القاعدة في ريف إدلب، بالقرب من المجال الحيوي التركي، أهمية إضافية لها في الحسابات الأمنية الإقليمية. كما أنَّ ارتباط أعمال إعادة تأهيلها بالتعاون العسكري بين دمشق وأنقرة أضفى عليها بعدًا يتجاوز البعد التقني، وجعلها جزءًا من النقاش الأوسع حول طبيعة الدور التركي في إعادة بناء القدرات العسكرية السورية.

إسرائيل وتغيير معادلة التهديد

تبرِّر إسرائيل ضربتها بمنع انتشارٍ عسكري تركي محتمل في القاعدة، معتبرة أنَّ ذلك يمثِّل خرقًا للوضع الأمني القائم في سوريا. في المقابل، رفضت أنقرة هذه الرواية، وأدانت الضربة باعتبارها انتهاكًا للسيادة السورية.

لكن خلف هذا التبرير المباشر تبرز تحوُّلات أعمق في الحسابات الإسرائيلية تجاه سوريا. فمنذ سقوط النظام السابق، تغيَّرت طبيعة البيئة التي اعتادت إسرائيل التعامل معها؛ إذ لم تعد المسألة تتمحور حول الوجود الإيراني وشبكة الفصائل المرتبطة به، بل حول مستقبل القوة العسكرية السورية نفسها.

فإعادة بناء الجيش السوري، بالتوازي مع تنامي الدور التركي في دعم المؤسَّسات العسكرية السورية، قد تفضي إلى نشوء مؤسسةٍ عسكرية أكثر تماسكًا وقدرة ممَّا كانت عليه في المرحلة الانتقالية الأولى. ومن ثمَّ، لا يرتبط القلق الإسرائيلي بالوجود التركي في قاعدة محدَّدة بقدر ما يرتبط باحتمال أن تصبح تركيا عاملًا رئيسيًّا في إعادة تشكيل القدرات العسكرية السورية.

تركيا: من النفوذ السياسي إلى البُعد العسكري

تمثِّل تركيا العامل الأكثر أهمية في هذه المعادلة. فأنقرة لا تكتفي بعلاقةٍ سياسية مع السلطة السورية الجديدة، وإنَّما تسعى إلى دعم عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على بسط السيطرة على الأراضي السورية. وفي هذا السياق يأتي التعاون العسكري والتدريب وإعادة تأهيل بعض المنشآت العسكرية.

المشكلة بالنسبة لإسرائيل أنَّ هذا المسار قد يؤدي، على المدى البعيد، إلى نشوء جيشٍ سوري يمتلك قدرات لم تكن متاحة له بعد سقوط النظام السابق.

وهنا تظهر نقطة التحوُّل: الوجود التركي في سوريا لم يعد مسألة نفوذ سياسي فحسب، بل أصبح متصلًا بمستقبل القوة العسكرية السورية.

ومن ثمَّ، فإنَّ استهداف أبو الظهور يمكن قراءته بوصفه محاولةً إسرائيليَّة مبكِّرة للتأثير في حدود هذا الدور قبل أن يتحوَّل إلى واقعٍ عسكري أكثر رسوخًا.

من المعادلة الإسرائيليةالسورية إلى التنافس الإسرائيليالتركي

تكشف التطورات المرتبطة بأبو الظهور عن تحوُّل تدريجي في طبيعة التنافس الإقليمي داخل سوريا. ففي السنوات السابقة، تمحور جزءٌ كبير من الاستراتيجية الإسرائيلية حول احتواء النفوذ الإيراني ومنع إيران وحلفائها من إنشاء بنيةٍ عسكرية دائمة في الأراضي السورية. أمَّا بعد سقوط النظام السابق، فقد تغيَّرت البيئة التي تتحرَّك فيها إسرائيل، وبرزت أمامها عملية إعادة تشكيل للقوة داخل سوريا تختلف في طبيعتها عن المرحلة السابقة.

وفي هذا السياق، تبرز تركيا بوصفها طرفًا رئيسيًّا في عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، بما فيها المؤسَّسة العسكرية. ولا يعني ذلك أنَّ أنقرة تحلُّ محل طهران في الحسابات الإسرائيلية أو أنَّ طبيعة الدورين متشابهة؛ فلكلٍّ منهما أهدافٌ وأدوات مختلفة. لكنَّ التحوُّل المهم يتمثَّل في أنَّ مصدر القلق الإسرائيلي بات مرتبطًا أيضًا بمن يساهم في تشكيل موازين القوة داخل سوريا، وليس فقط بمن ينشئ قواعد أو ينقل أسلحة إليها.

ومن هنا يمكن قراءة أبو الظهور كنقطة تقاطعٍ بين مسارين متعارضين. فمن جهة، تسعى تركيا إلى دعم قيام دولة سورية أكثر قدرةً على إدارة أراضيها ومؤسساتها، وترى في إعادة بناء المؤسسة العسكرية جزءًا من هذا المسار. ومن جهةٍ أخرى، تسعى إسرائيل إلى ضمان ألا تؤدي إعادة بناء القوة العسكرية السورية إلى نشوء تهديدٍ جديد، أو إلى ترسيخ حضورٍ عسكري تركي يمكن أن يغيِّر ميزان القوى الإقليمي.

أمَّا دمشق، فتجد نفسها في موقعٍ بالغ الحساسية بين هذين المسارين. فهي تحتاج إلى الدعم الخارجي لإعادة بناء قدراتها بعد سنواتٍ من الحرب، لكنَّها في الوقت نفسه معنيةٌ بأن تكون عملية إعادة بناء الجيش جزءًا من استعادة السيادة الوطنية، لا امتدادًا لنفوذ أيِّ قوةٍ إقليمية.

وبذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف ستتعامل إسرائيل مع الجيش السوري الجديد؟ بل أيضًا: من سيؤثِّر في تشكيل هذا الجيش، وإلى أيِّ حدٍّ ستقبل إسرائيل وتركيا بالحدود التي يفرضها الطرف الآخر على هذا المسار.

واشنطن أمام معضلة جديدة

تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً ممَّا تبدو عليه الضربة في ظاهرها. فهي حليفٌ رئيسي لإسرائيل، وفي الوقت نفسه ترتبط بشراكةٍ استراتيجية مع تركيا، بينما ترى في استقرار سوريا وتماسك مؤسَّساتها مصلحة إقليمية لا تقلُّ أهمية.

لذلك اكتسب الموقف الأمريكي من ضربة أبو الظهور دلالةً خاصة؛ إذ وصف المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، الضربة بأنَّهاتصعيد غير ضروري”، في وقتٍ تعمل فيه واشنطن على إنشاء آليةٍ لمنع الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسوريا.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الآلية باعتبارها إجراءً تقنيًّا لتفادي الحوادث العسكرية فحسب. فهي تعكس إدراكًا أمريكيًّا بأنَّ طبيعة التنافس داخل سوريا تتغيَّر، وأنَّ استمرار تداخل المصالح الإسرائيلية والتركية والسورية قد ينقلها من مستوى التنافس غير المباشر إلى احتكاكٍ عسكري مباشر.

وتكمُن المعضلة بالنسبة لواشنطن في أنَّها مطالبة بالحفاظ على أمن إسرائيل من جهة، ومنع تحوُّل الدور التركي في سوريا إلى مصدر صدامٍ مع إسرائيل من جهةٍ أخرى، مع دعم قيام دولة سورية مستقرة وقادرة على استعادة مؤسَّساتها من جهةٍ ثالثة. ومن ثمَّ، فإنَّ قدرة الولايات المتحدة على إدارة هذه التناقضات ستشكِّل عاملًا مهمًّا في تحديد ما إذا كان التنافس حول مستقبل سوريا سيبقى ضمن حدودٍ يمكن احتواؤها، أم سيتحوَّل إلى أزمةٍ إقليمية أوسع.

 من يرسم حدود الجيش السوري؟

تكمُن أهمية أبو الظهور، في النهاية، في أنَّه يضع عملية إعادة بناء الجيش السوري أمام اختبارٍ مبكِّر. فدمشق تحتاج إلى مؤسسةٍ عسكرية وطنية قادرة على حماية الدولة وبسط سيادتها. وتركيا ترى في دعم هذه العملية جزءًا من مصالحها الأمنية والاستراتيجية. أمَّا إسرائيل فتحاول ضمان ألا تنتج العملية العسكرية السورية الجديدة واقعًا تعتبره تهديدًا لها.

لذلك، فإنَّ القضية ليست ما إذا كان مدرج أبو الظهور سيُعاد إصلاحه بعد الضربة، وإنَّما ما نوع القدرات العسكرية التي ستتمكَّن سوريا من إعادة بنائها، ومن سيشارك في بنائها، وما الحدود التي ستفرضها البيئة الإقليمية على هذه العملية.

ومن هذه الزاوية، قد تكون ضربة أبو الظهور اختبارًا مبكرًا لصراعٍ أكبر على شكل المؤسسة العسكرية السورية في المرحلة المقبلة.

فالمعركة هنا ليست على قاعدةٍ جوية فحسب، وإنَّما على حدود السيادة العسكرية السورية، وحدود النفوذ التركي، وحدود القدرة الإسرائيلية على إعادة تعريف المجال الأمني لسوريا الجديدة.

شارك

مقالات ذات صلة