ولاء محمد
أعلنت الهيئة الوطنيَّة للمفقودين بتاريخ 30 أيار 2026 عن وفاة أطفال الطبيبة رانيا العباسي وزوجها عبد الرحمن الياسين، وقد نعتهم عائلاتهم بعد رحلة بحثٍ طويلة ومضنية، مثقلة بالأهوال والآلام والآمال، لتنتهي بذلك واحدةٌ من أكثر القضايا الإنسانية إيلاماً في سوريا.
وجاء ذلك عقب إلقاء القبض على جزَّار التضامن المدعو أمجد يوسف، من قبل وزارة الداخلية في 26 نيسان 2026.
ويُعدُّ أمجد يوسف أحد أبرز المتورِّطين في جرائم القتل والانتهاكات في زمن النظام البائد، حيث ارتبط اسمه بواحدةٍ من أقسى المجازر التي ارتُكبت بحقِّ السوريين، وهي مجزرة التضامن، حيث ظهر في تسجيلاتٍ مصوَّرة وهو يلقي مدنيين عزل في حفرة، ويقوم بإعدامهم وإحراقهم داخلها.
وذكر الفريق الذي حصل على هذه التسجيلات أنَّه لم يعرض سوى مقطعٍ واحد من أصل 29 مقطعاً مصوَّراً، وتبيَّن أنَّ المقطع الذي ظهر فيه أمجد يوسف وهو يصور جثث الأطفال ديمة وانتصار ونجاح وآلاء وليان وأحمد، ويتفاخر بقتلهم قرباناً لروح أخيه، كان واحداً من هذه المقاطع غير المنشورة.
انتهت قصَّة أطفال رانيا وعبد الرحمن، لكن قصص أطفال المعتقلين والمفقودين وذويهم لم تنتهِ بعد، حيث كان لشقيق الطبيبة رانيا، حسان العباسي دوراً محورياً في كشف هذا الملفِّ بما يحمله من تفاصيل مؤلمةٍ وانتهاكات بحقِّ الطفولة داخل دوُر رعاية الأيتام، كشف فيه عن وحشية وإجرام أسماء الأسد وشركائها في هذه الدُور.
حيث وردت لحسان العباسي معلومات تفيد بأنَّ 4 من أطفال الطبيبة رانيا وردت أسماؤهم في قوائم تحمل أسماء الأطفال المودعين في منظمة قرى الأطفال sos، مادفعه إلى متابعة القضية ليتبين لاحقاً حجم التعقيد في هذا الملفِّ وخطورته، وأنَّ ماجرى كان جزءاً من إجرام ممنهج ومنظَّم.
وبعد سقوط النظام تمكَّن حسان من جمع الكثير من الأدلة والشهادات والوثائق ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما أثار تفاعل السوريين معه بشكلٍ كبير وواسع، وتعدَّدت الشهادات سواء من العاملين في دُور الايتام، أو من الاطفال الذين خرجوا أو فرُّوا من هذه الدُور، أو من شهادات العاملين فيها سابقاً.
وبعد نشر تلك الشهادات بدأ الإعلام بالتفاعل مع قضية الأطفال ما أعقب تحقيقات إعلامية ووثائقيات ظهر فيها الأطفال الذين عاشوا تجربة الاعتقال، وكشفت حجم الانتهاكات التي تعرضوا لها بما في ذلك سوء المعاملة والعنف الممنهج.
كما ظهرت عائلات بعض الأطفال ممَّن لهم تجارب سابقة في الاعتقال، وتحدَّثت عن كيفية اختطاف أطفالهم.
وقد ظهر بعض المدراء والمسؤولين بعد تسريب وثائق على مواقع التواصل تثبت تورطهم، وأكَّدوا ماورد في شهادات الأطفال -الذين أصبحوا شباناً وشابات- في محاولةٍ لتبرير أفعالهم واستغلال شمَّاعة بطش النظام وشدَّة سطوته، وبأنَّهم كانوا “مجبرين” على الرضوخ واستقبال أطفال المعتقلين من الفروع الأمنية، إضافة إلى أطفال العائلات التي خرجت من المناطق المحاصرة والمهجَّرة بعد منحهم الأمان.
وفي سياقٍ متصل، سُربت بعض الوثائق التي تُثبت تورُّط منظماتٍ دولية في قضية الأطفال، من بينها منظَّمة اليونسيف ومنظمة sos الدولية، وذلك من خلال إيداع أطفال خرجوا من الغوطة خلال فترة الحصار، إضافة إلى وثيقة أخرى تُثبت حصول sos international على موافقة أمنية قبل سقوط النظام للدخول لسوريا وإجراء جولة على مكاتبها.
وبعد سقوط النظام، نفت منظمة sos الدولية علمها بوجود حالاتٍ غير قانونية، في حين خرج بعض موظفيها إلى وسائل الإعلام مؤكِّدين أنَّ الإدارة كانت على علمٍ تام بوجود تلك الحالات، ولكنَّها التزمت الصمت بحسب أقوالهم، بهدف الحفاظ على التمويل وضمان استمرارية عملها.
وفي هذا السياق، ألقت وزارة الداخلية القبض على عددٍ من أبرز المتورِّطين من بينهم وزيرتا الشوون الاجتماعية والعمل السابقتان، ريما القادري وكندة الشماط، باعتبار الوزارة الجهة المسؤولة عن إيداع الأطفال وتوزيعهم على دُور الرعاية.
وتشير المعطيات أنَّ إخفاء الأطفال لم يكن ممارساتٍ فردية بل جزءاً من منظومة إجرامية تعمل بشكلٍ منظَّم وممنهج.
أشبه بشبكات المافيا والإتجار بالبشر وتتداخل فيه أطراف دولية، ولم تقتصر على أسماء الأسد والعاملين المحيطين بها من ضباط ومدراء وموظفين.
يحمل الملف تفاصيل قاسية إذ جرى التلاعب بأنساب الأطفال وتغيير أسمائهم وألقابهم، إضافةً إلى نقل بعضهم إلى دول عربية و أوروبية، وإخضاع آخرين للتجنيد الإجباري في جيش الأسد، كما كشفت بعض التقارير عن إرسال الأطفال إلى روسيا من أجل التجنيد والتدريب على القتال، وإلى مراكز دينية شيعية تتبع لإيران وحزب الله.
كما عُرض بعض الأطفال على ضباط ومقربين من النظام بغرض التبنِّي مقابل مبلغ مالية، كما برزت تساؤلات حول طبيعة ماعرف بـ “بيوت sos” والتي أعلنت المنظمة أنَّها تهدف إلى دمج الأطفال خارج القرى وفي المجتمع.، وتُعتبر المنظَّمة شريك أساسي لأسماء الأسد في إخفاء أطفال المعتقلين، حيث استقبلت المئات من أطفال المعتقلين.
وبحلول عام 2019، توقفت منظمة sos عن استقبال الأطفال، لتظهر لاحقاً جمعية “دفى” في منطقة أمنية إلى جانب سجن الأحداث، حيث عُينت فداء دقورى مديرة لها وبدأت باستقبال الأطفال بدلاً منها.
وتُقدر الشبكة السورية لحقوق الإنسان عدد الأطفال المختفين قسراً بنحو 3700 طفل، في حين يرجِّح باحثون أنَّ العدد الحقيقي قد يصل إلى قرابة 5000 طفل، ويصعب حصر العدد في هذا الملفِّ بسبب وجود أطفال تمَّ إيداعهم وإخراجهم من هذه المنظمات دون وثائق رسمية تثبت ذلك.
يبقى هذا الملفُّ من أكثر الملفات تعقيداً وصعوبة أمام الحكومة السورية، نظراً لتعدُّد أساليب إخفاء الأطفال وتنوُّع الطرق وتداخلها، وصعوبة تتبع الأدلة بسبب هروب عدد من المتورطين، فضلاً عن إتلاف وسرقة عدد كبير من الوثائق والملفَّات.
وشكَّلت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لجنة للكشف عن مصير الأطفال والتحقيق في هذا الملف، حيث ظهر المتحدث باسم اللجنة الأستاذ سامر القربي، متحدِّثاً عن الصعوبات والتعقيدات والمعوقات التي تواجه عمل اللجنة في التحقيق.
وأعلنت الوزارة أنَّها تمكنت من إعادة 200 طفل إلى ذويهم، فيما لا يزال آلاف الأطفال المختفين قسراً مجهولي المصير، ودون تحقيق أي تقدمٍ يذكر في هذا الملفِّ حتى الآن.