Blog
علي البرغوث
في تاريخ النزاعات الدوليّة، نادراً ما نجد شخصية أجنبية تذوب هُويّتها الروحية والإنسانية بالكامل في قضية شعبٍ آخر كما حدث مع الراهب اليسوعي الإيطالي باولو دالوليو (Paolo Dall’Oglio). لم يكن دالوليو مجرّد رجل دين مسيحي عابر في الجغرافيا السورية، بل كان مهندساً حيًّا للحوار الإسلامي المسيحي، ومدافعاً راديكاليًّا عن حرية السوريين وكرامتهم. تحوّل من مؤسسٍ لأحد أهم الأديرة التاريخية في الشرق الأوسط إلى أحد الوجوه الأخلاقيّة البارزة للانتفاضة السورية السلمية، قبل أن ينتهي به المطاف ضحية للاختفاء القسري في معقل تنظيم “داعش” بمدينة الرقة، مخلفاً وراءه لغزاً إنسانيًّا وسياسيًّا شائكاً ما زال يبحث عن إجابات لدى الدوائر الاستخباراتيّة والحقوقيّة الدولية.
صانع “مار موسى”: بعث الروح في حوار الأديان من قلب الصحراء
وُلد باولو دالوليو في العاصمة الإيطالية روما عام 1954، والتحق بالرهبانيّة اليسوعية (الآباء اليسوعيين) في سن مراهقته، مدفوعاً بشغفٍ استثنائي لدراسة لغات وثقافات الشرق الأوسط. قادته رحلته الروحية والبحثيّة إلى سوريا عام 1982، وتحديداً إلى دير مار موسى الحبشي الأثري، الرابض في جبال السلسلة القلمونية الوعرة قرب بلدة النبك شمال دمشق. كان الدير آنذاك يعود للقرن السادس الميلادي ولكنَّه يقبع تحت الأنقاض مهجوراً تماماً، غير أنَّ باولو رأى فيه فرصة لإعادة إحياء نموذج فريد للتآخي الإنساني؛ فاستقر فيه وأطلق رحلة ترميم فيزيائية وروحية شاقة استمرت لسنواتٍ، أسفرت عام 1992 عن تأسيس جماعة رهبانيّة كنسية جديدة مكرسة كليًّا للحوار الإسلامي المسيحي والعيش المشترك والضيافة الإبراهيمية.
تحت إشراف الأب باولو، تحوَّل دير “مار موسى” من مجرّد معلمٍ أثري ميت إلى واحة روحيّة وثقافية عالميّة، تقصدها الوفود الدبلوماسيّة والأكاديميّة والشبابيّة من مختلف بقاع الأرض. تميَّز أسلوبه بالعمق المعرفي؛ إذ نال شهادة الدكتوراه من جامعة غريغوريانا الحبرية في روما، وكانت أُطروحته تتمحور حول الرجاء في الإسلام، وتعلَّم اللغة العربية بطلاقة متناهية بلهجتها البدوية والشامية وبلاغتها الفصحى. كان يصر على إبراز نقاط التلاقي الحضاري، ويفتح أبواب الدير للمسلمين والمسيحيين على حدٍّ سواء للصلاة، والنّقاش، والعمل الزراعي الجماعي، معتبراً أنَّ “المسيحية المشرقية لا يمكنها الانفصال عن محيطها الإسلامي”، وهو ما أكسبه احتراماً شعبيًّا واسعاً تجاوز الانقسامات التقليدية.
صرخة الحرية ضد الاستبداد والنّفي الحكومي القسري
مع انطلاق الاحتجاجات الشعبيّة المطالبة بالتغيير السياسي في سوريا في آذار/مارس 2011، لم يقف الأب باولو في منطقة الحياد الرمادي أو الصمت الكنسي؛ بل أعلن بوضوحٍ وبلا مواربة انحيازه الكامل لمطالب الشّارع السوري في الحريّة والعدالة والكرامة الإنسانيّة، رافضاً بجرأةٍ استخدام ورقة “حماية الأقليات” لتبرير القمع الممنهج. استخدم كيلو ثقله الروحي وعلاقاته الدولية للتنديد بالحلِّ العسكري والأمني الذي انتهجه النِّظام السوري، وحوَّل دير مار موسى إلى ملاذٍ آمن للناشطين الفارين وإسعاف الجرحى، كما قاد مبادرات وساطة أهلية معقَّدة لمنع الاقتتال الطائفي في مناطق التماس بين حمص والقلمون، وكتب وثيقة سياسية شهيرة تدعو إلى انتقال ديمقراطيّ سلميّ تعدُّدي يضمن لجميع المكوِّنات السوريّة حقوقها السياسيَّة.
هذا الموقف الصارم والعلني شكَّل حَرجاً كبيراً ومباشراً للسلطات السوريَّة التي حاولت ترويج سردية “المؤامرة الكونية الكافرة”؛ فصدر بحقِّه قرار طرد رسمي جائر من البلاد من قبل وزارة الداخلية بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية في أواخر عام 2011. ورغم التدخلات الدبلوماسيَّة المكثَّفة من الفاتيكان والحكومة الإيطاليَّة لتجميد القرار، جرى إجباره قسريًّا على مغادرة الأراضي السوريَّة في حزيران/يونيو 2012. لم يتوقف باولو عن النِّضال في منفاه، فطاف العواصم الأوروبيَّة والأمم المتحدة حاملاً ملفّ المعتقلين والمفقودين السوريين، وأصدر كتابه الشهير في فرنسا بعنوان “غضباً من أجل سوريا: شهادة راهب يسوعي” (La rage et la lumière)، مؤكّداً فيه أنَّ تقاعس المجتمع الدولي وصمته عن حماية المدنيين السوريين هو الذي يغذِّي التطرُّف ويقود المنطقة نحو كارثةٍ محقَّقة.
رحلة المخاطرة الأخيرة والغياب الصادم في “عرين داعش”
مدفوعاً بحبه اللامحدود لسوريا وبحثه المستمر عن السلام الميداني، اتخذ الأب باولو في تموز/يوليو 2013 قراراً شجاعاً وبالغ الخطورة؛ إذ تسلَّل بطريقةٍ غير قانونية عبر الحدود التركيَّة مستخدماً دروب التهريب إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النِّظام في شمال سوريا. زار محافظة إدلب وحلب وتحدَّث إلى قادة الفصائل المحلية، ثمَّ توجَّه مباشرةً إلى مدينة الرقة التي كانت تعيش مخاضاً أمنيًّا معقَّداً وتمدُّداً متسارعاً ومرعباً لتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش). كان لباولو هدفان واضحان ومعلنان من هذه المخاطرة: الأوَّل هو التوسُّط والتفاوض المباشر مع قادة التنظيم لإطلاق سراح ناشطين سوريين وصحفيين أجانب (بمن فيهم صحفيون فرنسيون وإيطاليون) معتقلين في سجونهم، والثاني هو محاولة إقناع القوى المحليَّة بالحفاظ على الطابع المدني التعدُّدي للرقة وتجنُّب الاقتتال الداخلي.
في صباح يوم الاثنين 29 تموز/ يوليو 2013، توجَّه الأب باولو سيراً على الأقدام إلى المقرِّ الرئيسي لتنظيم “داعش” في مبنى المحافظة بمدينة الرّقة لعقد لقاءٍ مع أمير التنظيم آنذاك. دخل البوابة ولم يخرج منها أبداً. انقطعت أخباره تماماً منذ تلك اللحظة، وتحوَّلت الرِّقة إلى “ثقبٍ أسود” ابتلع جسده ورسالته. على مدار السنوات اللاحقة، وحتى بعد سقوط التنظيم وهزيمته العسكرية الكاملة وتطهير سجونه السرية، تضاربت الأنباء والتقارير الاستخباراتية والحقوقية حول مصيره؛ بين شهادات منشقين تتحدَّث عن تصفيته فور دخوله المقر ورمي جثمانه في الهوتة (حفرة طبيعية بريف الرقة)، وبين تقارير غربية تزعم نقله إلى سجون سريَّة أخرى، دون أن تنجح عائلته أو الحكومة الإيطالية في الحصول على دليلٍ قاطع لوفاته أو العثور على رفاته.
تكمُن الرمزيَّة الاستثنائيَّة للأب باولو دالوليو في أنَّه بذل حياته طوعاً دفاعاً عن قيم الأخوة الكونيَّة والمواطنة الحقَّة، وأثبت بغيابه وتضحيته أنَّ معركة الحريَّة في سوريا لم تكن صراعاً طائفيًّا أو دينياً، بل كانت قضية إنسانية عادلة عابرة للحدود واللغات والتصنيفات الضيقة، ليبقى اسمه منارة حيَّة تُذكِّر العالم بأسره بالثمن الباهظ الذي دفعه الباحثون عن السلام في زمن الحرب.
