Blog

هل يبقى التراث السوري في مهب السياسة أم أنه يعود ذاكرة للوطن؟

يوليو 4, 2026

هل يبقى التراث السوري في مهب السياسة أم أنه يعود ذاكرة للوطن؟

رنا العمصي

عندما خرجت الأبجدية الأولى من سوريا إلى العالم قبل حوالي ثلاثة آلاف عام، لم تكن تعرف أنَّها ستقف يوماً ما أمام مفترق طرق، طريق يحوِّلها إلى ورقة تفاوض سياسي بيد وحوش هذا الزمان، والطريق الآخر يعيدها إلى أحضان السوريين كعروسٍ للهُوية والذاكرة لبلدٍ أثقلته الحربٌ، وهوت به إلى جرفٍ سحيق.

إنَّ التراث في كلِّ بقعةٍ بالعالم هو كيان للوطن والشعب، لكنَّ في سوريا، وعلى مدار عقدٍ ونصف العقد، كان أداةً للنفوذ وورقة تفاوض سياسي تُعيد رسم الخريطة وتوجيه ميزان القوى، فقد كشفت تقارير الأمم المتحدة وصور الأقمار الصناعية عن تأثر المدن الأثرية والأسواق القديمة بحلب وحمص ودمشق بالنيران والقذائف، القلاع التاريخية مثل قلعة الحصن التي بُنيت في القرن الحادي عشر الميلادي، ظهرت مليئة بالأنقاض والتصدُّعات في أبراجها وجدرانها نتيجة انفجارات وقصف تعرَّضت له.

ولم تنج المتاحف في سوريا بنفسها بعيداً، بل تحوَّلت العشرات منها إلى سوقٍ سوداء لنهب القطع الأثرية ثمَّ بيعها، المواقع الخالدة مثل مدينة تدمر وسط حمص تعرَّضت لتفجيرات متعمدة، تلك المدينة التي كانت في يوم غابر ترفع الأعمدة العظيمة لقصر الملكة زنوبيا وسط الصحراء المهيبة.

ومنذ سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر الماضي تصاعدت أصوات المتنافسين على رعاية المواقع التاريخية في سوريا، دعايات دبلوماسية لكسب النفوذ ونزع الأحقية في حمايتها، دول عظمى مثل روسيا قالت في وسائل إعلام محلية إنَّ موسكو بدأت فعلياً مشاريع ترميم في تدمر وحلب. وفي تقارير نشرتها صحيفة فايننشال تايمز تقول إنّ دمشق طلبت من موسكو إشرافاً مشتركاً على الترميم مقابل منح الشركات الروسية عقوداً اقتصادية في مجالات أخرى.

وبعد الانفتاح التدريجي بين أنقرة ودمشق خلال هذا العام صرَّحت وزارة الثقافة التركيَّة أنَّها مستعدةٌ للمساهمة في ترميم المواقع الأثرية شمال سوريا على أساس أنَّها جزءٌ من الإرث الإنساني المشترك للبلدين. وكالة التعاون التركيَّة أيضًا أعلنت نيتها بتنفيذ برامج لإصلاح المباني العثمانية والأسواق القديمة في دمشق وحلب، وقالت أيضًا إنَّها مستعدةٌ لتوفير خدمات التدريب للكوادر السورية في إطار التعاون الثقافي بين البلدين.

ولم تقف أميركا تتأمل المشهد عن بعد، فقد أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً نشرته صحيفة الغارديان أنَّ واشنطن تشجِّع إعادة إعمار المواقع التراثيَّة السوريَّة من خلال منظمات دولية، يقول خبراءٌ إنَّ أميركا تستخدم هذا الملفَّ كوسيلة ضغطٍ لتحقيق تنازلات سياسية. على الرغم من أنَّ هذه التدخُّلات الخارجية تترك أسئلة مطروحة على الطاولة، مَن يملك الحقَّ في تحديد شكل التراث لبلد دمَّرته الحرب؟ ومَن يتحكَّم برؤية العالم للموروث السوري اليوم؟ وهل تغيّر عمليات الترميم لمواقع أثرية مثل تدمر وحلب القديمة من الهُوية الثقافيّة للبلاد؟ أم أنَّها تحمل رسائل دبلوماسية وسياسية؟ أم لا شيء من ذلك كلِّه.

لم تغب الحكومة السورية الجديدة على أيِّ حالٍ عن هذا المشهد، فقد تحدَّثت تقارير عن جهودٍ مشتركة بين الحكومة وخبراء محليين بخصوص إعادة بناء وتجديد المواقع الأثرية، المجتمع المدني طالب أيضًا بإدراج التراث في الدستور الجديد باعتباره مكوّناً للذاكرة الجماعية للبلاد، أبحاث أخرى أشارت إلى مبادراتٍ محلية وورش عمل ومواد تعليمية يتم العمل عليها لإشراك المجتمع المحلي بحفظ التراث.

فبينما تنفَّست الآثار السورية حريتها، وتخلَّصت من قيد الأسد، وقفت تنتظر الحكم الأخير في حقِّها، في محكمةٍ شاهدها التاريخ والتهمة فيها اعتداء على الماضي وربما المستقبل، وبينما تلعب السياسة الشطرنج على خريطة الأوطان نعود إلى أطروحتنا الأولى.. مَن سينتصر اليوم بعد سقوط نظام الأسد؟ السياسة أم القبة الشامخة للجامع الأموي بدمشق؟

شارك

مقالات ذات صلة