سياسة
ظاهر صالح
خرج مارتن غريفيث، الدبلوماسيُّ البريطانيُّ السَّابق ومسؤول الأمم المتحدة الأسبق، عن صمته المعهود ليعترف علناً بما ظلَّ السوريُّون يصرخون به لسنوات: المجتمع الدولي خانهم. لم يكتفِ الرجل الذي تقلَّد مناصب حسَّاسة في الملفِّ السوري بالاعتذار، بل أعلن بكلِّ وضوح أنَّه كان “شريكاً في الفشل” الذي استمرَّ 15 عاماً.
كلام غريفيث، الموجَّه إلى شعبٍ دفع أثماناً باهظة من الدم والإبادة والنُّزوح، لم يأت على شكل تنصل، بل جاء اعترافاً يدين المؤسسات الدولية التي تغطَّت بصمتها، بينما كانت سوريا تغرق في نزاعٍ لم يشهد التاريخ له مثيلاً من حيث التواطؤ الدولي والتخلِّي الإنساني، إنَّها لحظة فضح مبكر، لكنَّها، للأسف، تأتي متأخرة بفارق عشرات آلاف الشهداء والضحايا والمفقودين والمهجَّرين.
مفاوضات عبثية
يكشف غريفيث عن تفاصيل صادمة من لقاءاته مع رئيس النِّظام البائد، بشار الأسد، لتكون شاهداً على عبثيَّة المسار الدبلوماسي الذي انتهجه المجتمع الدولي، يعود بنا إلى عام 2012، حين كان يجري في دمشق “مفاوضات عبثية” يومية مع مسؤولي النظام، ففي إحدى الجلسات، أوقف المسؤول الذي يقابله الاجتماع، وأطفأ الميكروفونات، وقال له بكلِّ برود:
“توقَّف عن إضاعة وقتك في هذا الأمر، لن نخرجهم أبداً، ولن نعترف بهذه الحقيقة“.
لم تكن تلك مجرَّد جلسة تفاوض فاشلة، بل كانت لحظة كشفٍ لماهية اللعبة القاتلة التي كان يمارسها النِّظام مع العالم.
وبعد عقدٍ من الزمن، وتحديداً في عام 2022، اقترح غريفيث على الأسد إفراغ السجون، فجاء الردُّ بالإنكار المطلق:
“بالطبع، لقد أفرغتها بالفعل، لا يوجد معتقلون هناك الآن!”.
ويُعلِّق غريفيث على هذا المشهد بأنَّه “كذب استمرَّ طوال فترة المعاناة“: فلم تكن مجرَّد كذبةٍ سياسية، بل كانت منهجاً في التعامل مع المأساة الإنسانية، حيث يحوِّل الألم إلى مادَّةٍ للتفاوض، والحقيقة إلى أداةٍ للإنكار.
15 عاماً من النهب والدم والخراب
خلال سنوات النزاع الـ15، دفع الشعب السوري ثمناً باهظاً لا يقاس بأيِّ معيارٍ بشري:
· مئات الآلاف من الشهداء والجرحى.
· أكثر من نصف السكان نزحوا قسراً عن ديارهم.
· مدن وبلدات ومخيَّمات بأكملها تحوَّلت إلى ركام.
أمَّا الفلسطينيون في سوريا، فقد دفعوا ضريبةً مضاعفة، فإلى جانب معاناتهم كلاجئين منذ عام 1948، تجرَّعوا مرارة الحرب السورية، حيث دُمِّرت مخيَّماتهم، وتشتَّت أسرهم، وفقدت هوياتهم وسط دوَّامة العنف.
هذه الملايين من الأرواح المهشَّمة، التي حملت جحيم القصف والحصار والنُّزوح، لم تفقد منازلها وممتلكاتها فحسب، بل فقدت أغلى ما تملك، أحبَّاءها، وكرامتها، وإحساسها بالأمان، وذاكرتها الجماعية التي امتدَّت لأجيال.
هل يكفي الاعتذار؟
في مواجهة هذا القدر الهائل من الألم، يظلُّ الاعتذار، مهما كان نبيلاً وصادقاً، مجرَّد كلماتٍ معلَّقة في الهواء، والسؤال المؤلم الذي يطرحه غريفيث، ويشاركه فيه كلُّ ضميرٍ حي، هو: هل يمكن للكلمات أن تعيد طفلاً فقد ذراعه؟ وهل يمكن لاعترافٍ متأخر أن يواسي أمًّا فقدت أبناءها الخمسة في قصفٍ جائر؟ وهل يمكن لندمٍ دبلوماسيٍّ أن يعيد بناء مدن وقرى وأناسٍ ضاعت هويتهم في بقاع الأرض؟
الحقيقة المرة هي أنَّ لا اعتذار، ولا حتى تعويضات مادية، يمكن أن تُعوض ما فقد، فالمفقود ليس مجرَّد حجارةٍ وجدران، بل حياة بأكملها، سنوات العمر التي قضتها الأجيال في البناء والأمل، والوجوه التي لن تعود، والمدن التي كانت تنبض بالحياة.
إنَّها ندوبٌ عميقة في روح الأمة، ستظلُّ تنزف مع كلِّ ذكرى، وشاهد على فشلٍ دولي جماعي لا تغطِّيه أيُّ كلمات.
قد يكون اعتذار غريفيث خطوةً جريئة، لكنَّه لا يملك القدرة على ردِّ الاعتبار لتلك الملايين، ومعهم الفلسطينيون في سوريا، الذين حملوا نكبتهم الأولى، فوجدوا أنفسهم مجدَّداً في قلب نكبةٍ جديدة، وكأنَّ التاريخ يعيد نفسه بوجوهٍ مختلفة وآلام متجدِّدة.
ماذا بعد الاعتذار؟
إذا أراد المجتمع الدولي حقًّا تكريم من فقدوا كلَّ شيء، فعليه ألا يكتفي بالكلمات، بل أن ينتقل إلى أفعالٍ ملموسة:
إعادة الإعمار ليست مجرَّد مشاريعَ هندسية، بل بناء للأرواح والكرامة.
تعويض المتضرِّرين ليس مجرَّد أرقامٍ في الميزانيات، بل اعتراف بأنَّ لكلِّ حياةٍ قِيمة لا تقدَّر بثمن.
ضمان عدم التكرار أن يتعلَّم المجتمع الدولي الدرس الأقسى: أنَّ حياة البشر ليست أوراقاً للتفاوض
في تحليلٍ جريء، يعترف غريفيث بأنَّ “الخطيئة الأصلية” للمجتمع الدولي كانت استبعاد خيار تغيير النظام كحلٍّ لإنهاء المعاناة، مؤكِّداً أنَّ خطيئة العالم تمثَّلت في استبعاد هذا الخيار منذ البداية، والاكتفاء بتشكيل مجموعة “أصدقاء سوريا” التي لم تُحدث فرقاً ملموساً في حياة السوريين.
ويخلُص غريفيث إلى حقيقةٍ مرَّةٍ بالنسبة له كرجلٍ كرَّس حياته للحوار: ما أنقذ الشعب السوري لم يكن الحوار، بل العمل العسكري؛ فسيطرة فصائل المعارضة على دمشق هي التي مهَّدت الطريق للسلام، وليس سنوات الجدل العقيم في أروقة مجلس الأمن.
سوريا تستحق فرصة أخرى
لا يقف غريفيث عند الاعتراف بالفشل، بل يطلق دعوةً عاجلة لعدم تكرار أخطاء الماضي. فالأولوية اليوم، كما يرى، هي إعادة بناء الاقتصاد السوري المنهار، حيث يعيش ثلثا السوريين في فقرٍ مدقع.
ويقرُّ غريفيث بأنَّ المساعدات الإنسانية، رغم أهميتها، ليست حلًّا مستداماً؛ فالحلُّ يكمُن في تحفيز الاستثمار وإعادة الإعمار، ما يستوجب رفع العقوبات المتبقِّية وخلق بيئةٍ قانونيَّة آمنة وجاذبة للمستثمرين.
كما يحذِّر من محاولات تحويل سوريا إلى “حالة فشل جديدة“، ويدعو الحكومة السورية إلى التحرُّك بحسمٍ لتجاوز البيروقراطية والتردُّد اللذين يعيقان النهوض.
مرآة المأساة
إنَّ اعتذار مارتن غريفيث ليس مجرَّد حدثٍ إعلامي، بل مرآة تعكس أبعاد المأساة السورية الناتجة عن فشلٍ دولي متراكم. سوريا اليوم، بعد 15 عاماً من الفشل، بحاجةٍ إلى التزامٍ دولي حقيقي لا يقوم على الشفقة، بل على رؤيةٍ استراتيجية هل يكفي الاعتذار؟
البناء سياسياً واقتصادياً، تضع مصلحة السوريين في صميم مستقبل هذا البلد العريق.
لعلَّ الاعتذار بداية، لكن الأهمَّ هو ألا يكون نهاية.