أدب

حين تتكرر حكاية الإنسان في المخيمات

يوليو 28, 2026

حين تتكرر حكاية الإنسان في المخيمات

على مدار أيامٍ وساعات، حاولتُ فهم سرديَّة الكاتب المصري يوسف إدريس، أو كما وصفته: الكاتب الإنسان، ذلك الكاتب الذي وقف على بُعدٍ إنساني صريح في تفنيد قصَّص الإنسان العربي، خصوصًا أنَّ جرأته تكمُن في وضع يده على المناطق التي يخشى المجتمع العربي النظر إليها.

هنا لا بد من الإشارة إلى السلسلة القصصيةبيت من لحمالتي نُشرت عام 1971، إذ ذهب إدريس فيها إلى طبقات المجتمع المختلفة، ولم يقف خارج المنزل ليصدر الأحكام على شخصياته أو يصفهم بالمذنبين، بل دخل إلى تفاصيل حياتهم، وطرح سؤالًا جوهريًّا: كيف وصلوا إلى هذه اللحظة؟

وهو السؤال ذاته الذي وجدته حاضرًا أمامي وأنا أتأمَّل حياة آلاف الأهالي الذين اضطرُّوا إلى السكن في الخيام شمالي سوريا بعدما ضاقت بهم السبل.

فبينما كان إدريس يُحلِّل تفاصيل بيتٍ فقد معيله في مصر، كانت الذاكرة تأخذني إلى حياة العائلات في مخيَّمات الشمال السوري، حيث الآباء بلا عمل، والشَّباب بلا حيلة، في بقعةٍ جغرافية صغيرة لم تكن تحمل من مقوِّمات الحياة سوى الحدِّ الأدنى.

ومع ذلك، كان هناك من يصدر الأحكام على من وصل به الحال إلى طلبسلة مساعدات أمميةيسدُّ بها رمق أطفاله، متناسيًا أنَّ هؤلاء لم يصلوا إلى تلك المرحلة إلا بعد سنواتٍ من القصف والاقتلاع وفقدان الاستقرار.

والأمر ذاته وجدته في قصةالرحلة، حين تحدَّث إدريس عن آثار التهكُّم المجتمعي القاسي، ليؤكد أنَّ الانتقال الخارجي لا يعني بالضرورة تغيُّر الرحلة الداخلية للإنسان، فليست كلُّ رحلةٍ هدفها تغيير المكان فقط، بل قد تكون هروبًا اضطراريًّا، أو محاولةً لاكتشاف الذَّات، أو بحثًا عن النجاة من واقعٍ لم يكن للإنسان دورٌ في اختياره.

وهذا ما ينطبق على حياة أهالي مخيَّمات الشمال السوري، الذين ما زال قسمٌ كبير منهم يعيش في الخيام، رغم تغيُّر الظروف السياسية التي دفعتهم إليها.

فالرحلة التي تُفرَض تحت ظروفٍ استثنائيَّة تكشف جوهر الإنسان، ذلك الإنسان الذي يحاول نقل ثقافته وعاداته ومرجعيَّاته إلى مكانٍ جديد، يحمل عاداته وخطوطه الحمراء، حتى وإن كان الانتقال من قريةٍ إلى أخرى.

وفي الوقت الذي كانت تُطلق فيه بعض المدن المجاورة حتى لا نُعمِّم الأحكام لمخيَّمات ريف إدلب الشمالي وريف حلب الشمالي، بأنَّ سكان المخيَّمات أفسدوا المكان بتفاصيل نجاتهم، من خلال تكدُّس القمامة في شارعٍ ما، أو جلب عاداتٍ لا تمثِّلهم، كانت تخرج من الخيام نفسها عشرات قصص النجاح.

شابٌّ حصل على مجموعٍ كامل في الثانوية العامة داخل خيمة لا تقي حرَّ الصيف ولا برد الشتاء، وامرأةٌ تطهو الطعام الشرقي بجوار مستشفى لتؤمِّن قوت عائلتها، وآخر يصدر بحثًا يحصد جوائز عالمية، ومهندس يبتكر فكرةً رغم غياب أبسط مقوِّمات الحياة، وكاتبٌ يخرج من الخيمة حاملًا عمله الأدبي الأول.

وهنا تحديدًا كنت أرى ما كتبه إدريس، حين وقف بإجلالٍ أمام حياة الإنسان المصري، وذهب إلى القصص التي لا تُروى، وإلى التفاصيل التي لا تصل عادةً إلى واجهة المشهد.

ويبقى السؤال: لماذا بقيت قصص يوسف إدريس حيَّةً حتى هذا اليوم؟

الإنسان.. وغياب الحماية

ما تزال محاولات البحث عن الذات تُلاحق أدبيًّا الإنسان على مدار عقود، فبينما تُكتب النجاحات والروايات لدى المنتصر الذي يُحدِّد السردية الكاملة لكتابة القصَّة، تبقى غصَّة القصة الحقيقية حكراً في يد المنتصر الذي فرض نفسه بالقوَّة، ليكتب تاريخاً وسرديةً قد يراها صوناً لتضحيَّاتِ عائلةٍ ما في وقت ما، وهو ما حاول إظهاره إدريس خلال قربه من مئات آلاف القصص، فلم يذهب لأولاد السلطة لكي يكتب عن امتيازاتهم، ولا اقترب من أصحاب النُّفوذ ليبحث في مخاوفهم، بل اختار أن ينصت إلى الإنسان الذي سقطت عنه كلُّ أشكال الحماية.

لم يكن الإنسان عند يوسف إدريس بطلاً خارقاً، ولا نموذجاً مثاليًّا يخلو من الأخطاء، بل كائناً هشًّا يتبدَّل سلوكه كلَّما تبدَّلت الظروف التي تحيط به.

لذلك جاءت شخصيَّاته محمَّلةً بالأسئلة أكثر من الإجابات، وبالتناقضات أكثر من اليقين، لأنَّها تمثِّل الإنسان حين يُدفع إلى حافة الخيارات الضيِّقة، حيث يصبح البقاء أولويَّة، وتغدو الأحكام الأخلاقية السريعة ترفاً لايعرفه إلا من ينظر إلى المشهد من الخارج.

لقد أدرك إدريس أنَّ المجتمع كثيراً ما يحاكم النتيجة، متجاهلاً الطريق الطويل الذي أوصل الإنسان إليها.

فالخوف، والجوع، والعزلة، وفقدان السَّند، ليست مجرَّد ظروفٍ عابرة، بل قوى تعيد تشكيل الشخصية، وتدفع الإنسان إلى اتخاذ قراراتٍ لم يكن ليتَّخذها لو امتلك الحدَّ الأدنى من الأمان، ومن هنا جاءت كتاباته محاولةً لفهم البشر قبل إصدار الأحكام عليهم، وكأنَّها دعوةٌ مستمرَّة إلى النَّظر خلف الأبواب المغلقة، حيث تُصنع الحكايات الحقيقية بعيداً عن ضجيج المنتصرين.

وربَّما لهذا بقي أدبه حيًّا حتى اليوم، لأنَّه لم يكن يكتب عن الفقر بوصفه قضية اجتماعية فحسب، بل عن الإنسان عندما يفقد الحماية التي تحفظ له كرامته، ويجد نفسه وحيداً في مواجهة مجتمعٍ لا يرى من قصته سوى نهايتها.

وفي تلك اللحظة تحديداً، يصبح الأدب وسيلةً لفهم الإنسان، لا لمحاكمته، ويصبح السؤال الذي طرحه إدريس قبل عقودٍ أكثر حضوراً من أيِّ وقتٍ مضى: كيف وصل هذا الإنسان إلى هنا؟

ولعلَّني لم أفهم هذه الفكرة تمامًا إلا بعد سنوات الثورة السورية وحرب الأسد البائد على شعبه، حين وجدت نفسي أقف بين خيام الشمال السوري، أصغي إلى حكاياتٍ لم تكن تختلف كثيرًا عن تلك التي كتبها إدريس قبل عقود.

هناك، لم يكن الناس يطلبون الشفقة، بل كانوا يبحثون عن فرصةٍ ليعيشوا بكرامةٍ بعدما فقدوا بيوتهم وأعمالهم وكلَّ ما كان يمنحهم شعورًا بالأمان.

كانت الخيمة، بالنسبة لكثيرين، آخر ما تبقَّى من الحماية، لكنَّها لم تستطع أن تحميهم من أحكام المجتمع، ولا من النظرة التي تختزل الإنسان في صورته الأخيرة، متناسيةً الطريق الطويل الذي قاده إليها.

كنت أرى أبًا يقف عاجزًا أمام احتياجات أطفاله، وشابًّا يحاول أن يكمل دراسته على ضوء مصباح صغير، وامرأةً تبني يومها من الصفر كلَّ صباح، ثمَّ أتذكَّر يوسف إدريس وهو يرفض أن يسأل: ماذا فعل هؤلاء؟ ويصرُّ على سؤالٍ أكثر عدلًا: ماذا حدث لهم؟ عندها فقط أدركت أنَّ الأدب الحقيقي لا يكتفي بوصف الألم، بل يحاول فهمه، وأنَّ الكاتب الذي يقترب من الإنسان في لحظة ضعفه لا يكتب عن حادثةٍ عابرة، وإنَّما عن طبيعة البشر حين يفقدون السند.

وحتى بعد تحرير سوريا من النظام البائد وتحرير سوريا، بقيت تلك المشاهد تسكن الذاكرة، فالمخيَّم لا يختفي بمجرَّد انتهاء سببه السياسي، لأنَّ أثره يبقى في الإنسان، في طريقته في النظر إلى الحياة، وفي خوفه من فقدان الأمان مرَّة أخرى، وربما لهذا بدا يوسف إدريس قريبًا من السوريين، لأنَّه لم يكن يكتب عن مصر وحدها، بل عن الإنسان العربي عندما يجد نفسه وحيدًا أمام الحياة ،بعد أن تسقط عنه كلُّ أشكال الحماية.

من القرية المصرية إلى المخيم السوري.. حين يتكرر الإنسان

لم يكن يوسف إدريس يعرف أنَّ المنطقة العربية ستشهد، بعد عقودٍ من كتاباته، واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخها الحديث.

لكنَّه كان يعرف الإنسان جيدًا، ولذلك بدت شخصيَّاته مألوفة كلَّما استعدتُ مشاهد المخيَّمات في شمال سوريا، لم أكن أرى تطابقًا بين المكانين، بل تشابهًا في الأسئلة التي يفرضها الألم على البشر.

في المخيَّمات، لم تكن الخيمة مجرَّد قطعة قماش تؤوي عائلة هجَّرها القصف، بل كانت مساحة تتجرَّد فيها الحياة من تفاصيلها المعتادة، فلا يبقى للإنسان سوى محاولته اليومية للحفاظ على كرامته.

هناك، يصبح الحصول على الماء أو الطعام أو فرصة عمل جزءًا من معركة البقاء، بينما يستمر المجتمع في إطلاق أحكامه على النتيجة، متناسيًا الطريق الطويل الذي أوصل أصحابها إليها.

لماذا نحتاج إلى قراءة يوسف إدريس اليوم؟

في زمنٍ تُختزل فيه الحكايات في عناوين عابرة، وتُقاس حياة البشر بمنشورٍ على وسائل التواصل أو بصورةٍ تُلتقط في لحظة، تبدو العودة إلى يوسف إدريس أكثر من مجرَّد قراءةٍ لكاتبٍ كلاسيكي.

إنَّها محاولةٌ لاستعادة السؤال الذي نفتقده اليوم: ماذا حدث لهذا الإنسان قبل أن نحكم عليه؟

لم يكن إدريس يكتب ليمنح قارئه إجابات جاهزة، بل ليزرع فيه الشكَّ تجاه الأحكام السريعة، كان يرى أنَّ الإنسان لا يُفهم من النتيجة التي وصل إليها، بل من الطريق الطويل الذي سار فيه، ومن الخسارات التي حملها بصمت، ومن الظروف التي أعادت تشكيل حياته دون أن تمنحه حقَّ الاختيار، ولهذا لم تفقد أعماله قيمتها مع مرور الزمن، لأنَّ الإنسان ما زال يخوض المعركة ذاتها، وإن اختلفت الأمكنة والأزمنة.

وفي التجربة السورية خلال سنوات الثورة، تبدو هذه الفكرة أكثر حضورًا من أيِّ وقتٍ مضى، فسنوات الحرب صنعت ملايين القصص التي لم تجد طريقها إلى الكتب، وعاش كثيرون بين النزوح والمخيَّمات وفقدان الأحبَّة والبيوت، ثمَّ وجدوا أنفسهم مطالبين بتبرير حياتهم أمام مجتمع لا يعرف سوى النتيجة الأخيرة، وحتى بعد التحرير، لم تنتهِ الرحلة بالنسبة إلى كثيرين، لأنَّ آثارها بقيت في الذاكرة، وفي البيوت المهدَّمة، وفي الإنسان الذي يحاول أن يبدأ من جديد.

ربما لهذا وجدتُ السوريين في المرآة التي صنعها يوسف إدريس قبل أكثر من نصف قرن، لم يكن يكتب عن بلدٍ بعينه، ولا عن مرحلةٍ تاريخية محدَّدة، بل عن الإنسان العربي عندما يُجبر على حمل أوجاعه بصمت، ويبحث، رغم كلِّ شيء، عن مساحةٍ تحفظ له كرامته.

لا يشيخ الأدب حين يكتب الإنسان، وهذا ما فعله يوسف إدريس، لم يكتب عن مصر وحدها، ولا عن زمنٍ مضى، بل عن الإنسان حين يفقد الأمان، ويصبح مطالبًا بالدفاع عن كرامته قبل أيِّ شيءٍ آخر.

وربَّما لهذا وجدت السوريين في قصصه، لأنَّ الألم، مهما اختلفت جغرافيته، يترك في البشر الأثر ذاته، ويطرح الأسئلة نفسها.

وربما لم يكن يوسف إدريس يكتب عن الماضي، بل كان يكتب عن الإنسان الذي يتكرَّر كلَّما ظنَّ العالم أنَّه تغيَّر.

شارك

مقالات ذات صلة