مدونات
علي البرغوث
في تاريخ النِّضال السياسي ضدَّ النظم الشمولية، نادراً ما نجد رمزاً اختزل بمفرده تحوُّلات وطن بأكمله كما فعل المعارض والمفكر السياسي السوري رياض الترك (1930 – 2024). لم يكن الترك مجرَّد قائدٍ حزبي تقليدي أو سياسي محنَّك في كواليس المعارضة، بل كان المعلِّم الأوَّل والمصنع الصلب لمبدأ “لا للصلح مع الاستبداد”. شغل الموقع الأبرز كأمينٍ عامٍّ للحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) لعدة عقود، ودفع من زهرة شبابه وحريته نحو 18 عاماً متواصلة في السجن الانفرادي تحصيلاً لموقفه الصارم، ليتحوَّل من سجينٍ رافض للمساومة إلى الأب الروحي والرمز الأخلاقي لربيع دمشق وثورة الحرية والكرامة عام 2011.
عقود من المواجهة الصارمة: الانشقاق عن بكداش وسنوات “الزنزانة الانفرادية”
وُلد رياض الترك عام 1930 في مدينة حمص وسط سوريا، ونشأ يتيم الأبوين في دار للأيتام، وهي البيئة الشَّاقة التي صقلت عصاميته واستقلاليته المبكرة. انخرط في العمل السياسي مع بدايات شبابه أثناء دراسته للحقوق في جامعة دمشق، والتحق بالحزب الشيوعي السوري. سرعان ما دخل في مواجهةٍ فكرية وتنظيمية حادَّة مع الأمين العام التاريخي للحزب خالد بكداش؛ حيث رفض الترك تبعية الحزب العمياء للاتحاد السوفيتي وتأييد الوحدة بين سوريا ومصر دون ضماناتٍ ديمقراطية. أسفر هذا الخلاف الجوهري عام 1972 عن انشقاق تاريخي وتأسيسه لـ “الحزب الشيوعي السوري المكتب السياسي”، موجِّهاً شراع الحزب نحو قضية الحرية والديمقراطية المحلية وتأسيس الشيوعية الوطنية قبل الإيديولوجيا الماركسية المستوردة.
مع ترسيخ نظام حافظ الأسد لسلطته الأمنية واحتكاره للحياة السياسية عبر جبهة أحزاب شكلية، رفض رياض الترك الدخول في نظام الرعاية الحكومي، وقاد معارضة جذريّة ومباشرة في نهاية السبعينيات. وفي أيلول/سبتمبر 1980، جرى اعتقال الترك واقتياده إلى أقبية فرع التحقيق العسكري بدمشق، ليبدأ واحدةً من أطول رحلات الاعتقال الانفرادي القسري في تاريخ الصراعات السياسية بالشرق الأوسط؛ إذ أمضى 18 عاماً متصلة داخل زنزانة انفرادية ضيِّقة مظلمة تحت الأرض، دون محاكمةٍ أو زوار أو كتب أو حتى ضوء شمس، محروماً من أيَّة رعايةٍ صحية رغم إصابته بأمراضٍ مزمنة. خرج التُّرك من معتقله عام 1998 بقدمين متعبتين، لكن بعزيمةٍ سياسية لم تنكسر، ليعلن فور خروجه أنَّ السجن لم يغيِّر من معتقداته شبرًا واحداً.
“السجن خطوة في طريق الحرية، والشباب السوري الذي ينزل إلى الشارع يكتب التاريخ بدمه ونحن أتباع له وليس قادة عليه.”
رياض الترك تعليقاً على اندلاع ثورة 2011.
صرخة “مات الدكتاتور”: هندسة “ربيع دمشق” وميثاق إعلان دمشق للتغيير
لم يستكن رياض الترك عقب الإفراج عنه، بل استغلَّ سقف التوقُّعات الضئيل بعد وفاة حافظ الأسد وتسلُّم نجله بشار السلطة عام 2000 ليقود حركة التغيير المدني والفكري فيما عرف بـ “منتديات ربيع دمشق”. وفي أيلول/سبتمبر 2001، أطلق التُّرك عبارته الشهيرة عبر قناة الجزيرة والتي هزَّت أركان السُّلطة الأمنية بدمشق عندما قال بجرأةٍ غير مسبوقة: “مات الدكتاتور…”؛ كاسراً بذلك أعتى جدران الخوف والرهبة في البلاد. أُعيد اعتقاله فوراً وأمضي عامين إضافيين في السجن بتهمة “إعادة إحياء جماعة محظورة والتعريض بالسلطة”، ليكسب مجدَّداً لقب “مانديلا سوريا” في الصحافة الدولية والمحافل الحقوقيَّة العالميَّة.
عقب خروجه الثاني من المعتقل، واصل الترك جهوده لتجميع شتات القوى الوطنية والحزبية والحقوقية المبعثرة؛ فكان المخطِّط والعقل المدبِّر وراء تأسيس “إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي” عام 2005، وهو التحالف السياسي الأهمُّ الذي جمع لأول مرَّة أحزاب المعارضة العلمانية والإسلامية والكردية والشخصيات المستقلة تحت وثيقةٍ موحَّدة تطالب بالانتقال السلمي والديمقراطي وإلغاء حالة الطوارئ والمواطنة المتساوية. أثبت الترك من خلال هذا التحالف أنَّ أولوية النِّضال في سوريا هي إزالة الاستبداد وبناء دولة القانون، متجاوزاً كلَّ الخلافات الأيديولوجية الضيقة التي باعدت بين أطياف المعارضة لسنوات.
الاحتضان المبكر لثورة 2011 والرحيل التراجيدي في المنفى الباريسي
مع اندلاع الانتفاضة الشعبية في آذار/مارس 2011، كان رياض التُّرك متقدِّماً في السنِّ ويعاني من تبعات أسرٍ طويل وضعف جسدي شديد، لكنَّه أعلن منذ اليوم الأول حماسه المطلق ووقوفه التام مع الشارع الثائر. توارى عن أنظار الأجهزة الأمنية داخل دمشق، متنقِّلاً بين بيوتٍ متوارية وحارات سرية لدعم شبكات الشباب واللجان التنسيقية المحلية بالرأي والمشورة والبيانات السياسية الموجَّهة. رفض الترك بشكلٍ صارم كافة دعوات العنف والطائفية، مؤكداً أنَّ الثورة السورية هي امتدادٌ طبيعي لنضال العقود الماضية من أجل المواطنة والكرامة الإنسانية.
أمام تزايد الملاحقة الأمنية الخانقة وتدهور وضع أسرته، جرى تهريب الشيخ الثمانيني بطريقةٍ دراماتيكية وشاقَّة عبر الحدود السورية التركية في صيف عام 2018، لينتقل بعدها ليعيش سنواته الأخيرة في العاصمة الفرنسية باريس. وعلى الرغم من غيابه القسري عن وطنه وتوزع عائلته، ظلَّ الترك متابعاً للشأن السوري بدقة، ومصرًّا حتى آخِر رمق في حياته على أنَّ “الشعب السوري سينال حريته في نهاية المطاف مهما طال ليل الاستبداد”. وفي الأول من كانون الثاني/يناير 2024، توفي رياض الترك في باريس عن عمر ناهز 93 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً نضاليًّا ناصعاً ومدرسة فكرية وسياسية تجسِّد صلابة الموقف والوفاء للقيم الوطنية.
تكمُن الرمزية التاريخية لرياض الترك في أنَّه أثبت للرأي العام العالمي أنَّ النضال ضدَّ الدكتاتورية ليس مجرَّد تكتيكٍ سياسي مرحلي، بل هو موقف أخلاقي وجودي. بقى اسمه شامخاً في سجلات الحرية كشهيدٍ حيٍّ هزَّ عرش الاستبداد بصمته وصموده في أعتى الزنازين، ليبقى إرثه منارةً مرجعية لكلِّ الباحثين عن الحرية والعدالة في سوريا والشرق الأوسط.