مجتمع

شريك السوء.. اخسر وخسِّره

يوليو 23, 2026

شريك السوء.. اخسر وخسِّره

أحمد الياماني

هناك مثلٌ شعبي سوري يقول: “شريك السوء… اخسر وخسِّره.” وهو مثلٌ لا يتحدَّث عن المال والتجارة فقط، بل عن كلِّ شراكةٍ تتحوَّل إلى عبءٍ على أصحابها. فحين يصبح الشريك سبباً دائماً للخسارة، فإنَّه لا يكتفي بإسقاط نفسه، بل يجرّ الجميع معه إلى الهاوية. واليوم، يبدو هذا المثل أقرب ما يكون إلى توصيف جانبٍ من المشهد السوري، حيث تتكرَّر ممارسات اجتماعية وسياسية تدفع مؤسسات الدولة إلى الانشغال بإطفاء الحرائق بدل الانصراف إلى البناء، وإدارة الأزمات بدل صناعة المستقبل.

بعد سنواتٍ طويلة من الحرب، ينتظر السوريون دولةً تُعيد بناء المدارس والمشافي والاقتصاد، وتنهض بالقضاء، وتؤسس لإدارة حديثة تحكمها الكفاءة وسيادة القانون، وتمنح النَّاس شعورًا بأنَّ المستقبل سيكون مختلفًا عن الماضي. لكن في المقابل، ما زالت تظهر بين الحين والآخر خطابات تحريضية وسلوكيات انتقامية وممارسات تُعيد إنتاج الانقسام، وكأنَّ البلد لم يدفع ثمنًا كافيًا من الدم والخراب.

أخطر ما في هذه الحالة أنَّها لا تستنزف المجتمع وحده، بل تستنزف الدولة نفسها. فكلُّ أزمةٍ أهلية، وكلُّ خطابٍ كراهية، وكلُّ محاولةٍ لتعميم الذنب على جماعة كاملة، تعني تحويل مؤسسات الدولة من مؤسسات بناءٍ إلى مؤسساتٍ لإدارة الأزمات. وبدل أن تنشغل بالإصلاح الإداري، ومحاربة الفساد، واستقطاب الاستثمار، وتحسين الخدمات، تجد نفسها مضطرَّة إلى احتواء التوترات، وملاحقة آثار الانقسامات، وإخماد الحرائق التي تُشعلها الخطابات المتطرفة. وهنا يظهر الشرخ الحقيقي الذي يهدِّد سوريا اليوم.

فالشرخ ليس بين من يريد العدالة ومن يريد الظلم، بل بين من يؤمن بأنَّ الدولة تُبنى بالمواطنة وسيادة القانون، ومن يعتقد أنَّ المستقبل يمكن أن يُدار بمنطق الثأر أو الهوية الطائفية أو العقاب الجماعي.

لقد تأخرت العدالة الانتقالية، ومع هذا التأخير تراكمت الأسئلة، واتَّسعت مساحة الشك، وبدأ كلُّ طرفٍ يفسِّر غياب العدالة بطريقته الخاصَّة. الضحية تشعر أنَّ حقَّها مؤجَّل، والبريء يخشى أن يُدان بسبب انتمائه، والمجتمع كلُّه يعيش حالة انتظار طويلة لا يعرف إلى أين تنتهي.

إنَّ العدالة الانتقالية ليست شعارًا سياسيًّا ولا مطلبًا نخبويًّا، بل هي الأساس الذي يمنع المجتمعات الخارجة من الحروب من السقوط في دوامة الانتقام. فهي التي تميِّز بين المجرم والبريء، وبين من أصدر الأوامر ومن كان مجرِّد موظَّفٍ يؤدي عمله داخل مؤسَّسات الدولة، وبين من ارتكب الجرائم ومن لم تتلطَّخ يداه بدم أحد.

وعندما تتأخر هذه العدالة، يبدأ النَّاس بصناعة عدالتهم الخاصَّة، وهنا تبدأ الكارثة. لأنَّ العدالة الشعبية لا تعرف التحقيق، ولا الأدلة، ولا المسؤولية الفردية، بل تعرف الغضب والتعميم فقط.

كما أنَّ استمرار وجود عدد كبير من الموظفين الذين عملوا في مؤسَّسات النِّظام السابق، من دون وجود معايير واضحة للمحاسبة أو إعادة التقييم، خلق حالة من الشك لدى شريحة واسعة من السوريين. وفي المقابل، فإنَّ التعامل مع هذا الملف بمنطق الإقصاء الجماعي سيخلق ظلمًا جديدًا، ويُدخل البلاد في دورةٍ جديدة من الثأر لا تختلف كثيرًا عن المأساة التي خرجت منها.

المطلوب ليس الانتقام، وليس التبرئة الجماعية أيضًا، وإنَّما الاحتكام إلى القانون وحده، بحيث يحاسب كلُّ شخص على أفعاله هو، لا على اسمه، ولا على طائفته، ولا على البيئة التي وُلد فيها.

المشكلة الأكبر أنَّ بعض الخطابات المتشنجة تدفع الناس شيئًا فشيئًا إلى التفكير بمنطق القطيعة. فبدل أن يشعر المواطن بأنَّ وطنه يتسع للجميع تحت سقف القانون، يبدأ بالإحساس أنَّ وجوده مرهونٌ بالخوف وموازين القوة، لا بحقوق المواطنة.

وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، تصبح أيُّ حادثةٍ صغيرة مشروع أزمة وطنية كبيرة.

لهذا أخشى، كما يخشى كثيرٌ من السوريين، أن يأتي يوم يشعر فيه جمهورٌ واسع من السوريِّين بأنَّ استمرار هذا الشرخ يهدِّد فكرة الدولة نفسها. عندها قد تتحوَّل الأمثال الشعبية القاسية إلى قناعةٍ عامة، ويصبح منطق “شريك السوء… اخسر وخسِّره” تعبيرًا عن حالة يأسٍ جماعية، لا لأنَّها تمثِّل الحلَّ، بل لأنَّها تعكس فقدان الثقة بإمكانية إصلاح الشراكة الوطنية.

وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه سوريا.

فإذا تحوَّلت العلاقة بين السوريين إلى علاقة خسارة متبادلة، فلن يكون هناك منتصر. الجميع سيدفع الثمن؛ الاقتصاد، والاستقرار، والسلم الأهلي، وهيبة الدولة، وحتى فكرة الوطن الواحد. فالدول لا تسقط بالحروب وحدها، بل قد تسقط عندما يفقد مواطنوها ثقتهم بأنَّ القانون قادرٌ على حمايتهم جميعًا بالعدل نفسه.

إنَّ الطريق الوحيد لتجاوز هذا الشرخ يبدأ بالاعتراف بوجوده، ثمَّ بالإسراع في تطبيق عدالةٍ انتقالية حقيقية، مستقلة، وشفَّافة، تقتصُّ من المجرمين وتحمي الأبرياء، وتفصل بين المسؤولية الفردية والانتماء الجماعي. كما يبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق والواجبات، لا على أساس الخوف أو الثأر أو الانتماءات الضيِّقة.

سوريا لا تحتاج اليوم إلى شركاء في الخسارة، بل إلى شركاءٍ في إعادة البناء. تحتاج إلى خطابٍ يطفئ الحرائق بدل أن ينفخ فيها، وإلى مؤسَّساتٍ تنشغل بإعمار الإنسان قبل الحجر، وإلى مجتمعٍ يدرك أنَّ العدالة هي الطريق الوحيد للاستقرار، وأنَّ الدولة القوية لا تُبنى بالغضب، وإنَّما بالقانون.

ولذلك، أتمنى ألّا نصل إلى مرحلةٍ يصبح فيها الحديث عن أبناء أيِّ مكوَّنٍ سوري حديثًا عنهم لا معهم، لأنَّ تلك اللحظة لن تكون انتصارًا لأحد، بل إعلانًا عن خسارة الجميع. فالوطن الذي ينجو هو الوطن الذي يحاسب المجرم، ويحفظ حقَّ الضحية، ويحمي البريء، ويجعل القانون أعلى من الغضب، والدَّولة أكبر من كلِّ الانقسامات.

شارك

مقالات ذات صلة