اقتصاد
وسيم محمد علي
تؤدي العملة وظائفها الثلاث تلقائيًّا: وسيلة للدفع، ووحدة لقياس القيمة، ومخزن للثروة. حين تنفصل هذه الوظائف عن بعضها، تتحوَّل العملة من أداةٍ مستقرَّة إلى مصدرٍ دائم لعدم اليقين، وتصبح أبسط القرارات المالية عملية حسابية معقَّدة. هذا واقع كثير من السوريين اليوم: يدفعون بالليرة، ويفكِّرون بالدولار قبل كلِّ قرار، وتحوَّلت العلاقة بسعر الصرف من شأنٍ يخصُّ التجار والمستوردين إلى تفصيلٍ يومي في حياة كلِّ أسرةٍ تقريباً. قبل استئجار منزلٍ أو شراء سيارة، يحوِّل السعر ذهنياً إلى الدولار ليقرِّر إن كان مرتفعاً أو منخفضاً، وإن كان الشراء اليوم أفضل من تأجيله.
مع الوقت، صار الدولار وحدة الحساب التي تُقاس بها القيمة الحقيقية للأصول والالتزامات، فيما تبقى عمليات الدفع الفعلية بالليرة السورية. يعكس هذا تحوُّلاً في السلوك الاقتصادي أعمق من مجرَّد تقلبات سعر الصرف. قيمة العملة تنبع من ثقة المجتمع بقدرتها على حفظ القوة الشرائية عبر الزمن، وهذه الثقة أعمق أثراً من صفتها كنقدٍ رسمي. ومع تراجع هذه الثقة، يبحث الأفراد عن مرجع أكثر استقراراً لتقييم الأسعار، ويظلُّون في الوقت نفسه ملزمين باستخدام العملة المحلية في معاملاتهم.
تصفُ الأدبيات الاقتصادية هذه المرحلة بـ”الدولرة الحسابية”: حين تصبح العملة الأجنبية مرجعاً لقياس القيمة قبل أن تتحوَّل إلى وسيلةٍ فعلية للتبادل. الدولرة الحسابية آليةٌ دفاعية شائع تفسير انتشار التسعير بالدولار بوصفه تفضيلاً نفسيًّا للعملة الأجنبية أو ضعفاً في الانتماء الوطني. الأقرب إلى الواقع أنَّ أغلب المتعاملين يبحثون عن وحدة قياس أكثر استقراراً في بيئةٍ تتغيَّر فيها الأسعار بوتيرةٍ مرتفعة. مالك العقار الذي يحدِّد إيجاره بالدولار يسعى لحفظ القيمة الحقيقية لعائده خلال مدة العقد؛ فلو حدَّده بالليرة في ظلِّ توقُّعات تضخمية مرتفعة، قد يجد بعد أشهر أنَّ إيراده فقد جزءاً كبيراً من قوته الشرائية.
التاجر الذي يعتمد الدولار مرجعاً لتسعير بضاعته يفعل ذلك ليضمن معياراً ثابتاً لحساب التكلفة وهامش الربح، وإن ظلَّ التعامل الفعلي بالليرة. الدولرة الحسابية بهذا المعنى آليةٌ دفاعية، تحاول من خلالها الأسر والتجار حماية قراراتهم من حالة عدم اليقين وتعويض غياب الاستقرار الذي يُفترض أن توفِّره العملة المحلية. منع التسعير بالدولار أو تقييده إداريًّا يعالج المظهر الخارجي للمشكلة، ويبقي السبب الحقيقي قائماً ما دامت الثقة بثبات القوة الشرائية للعملة المحلية غائبة.
كيف تعيد الدولرة تشكيل القرار الاقتصادي
تمتدُّ آثار الدولرة الحسابية إلى إعادة تشكيل قرارات الإنفاق والادِّخار في الأسرة السورية. يرتبط كلُّ قرارٍ بتوقُّعات مسار سعر الصرف، بقدر ما يرتبط بالحاجة الفعلية إلى السلعة أو الخدمة. توقُّع تراجع القوة الشرائية للعملة المحلية يغيّر أولويات الأفراد تلقائيًّا: يصبح تحويل النقد إلى أصلٍ يحفظ قيمته -عقاراً أو ذهباً أو عملة أجنبية أو سلعة معمرة قابلة لإعادة البيع- خياراً أكثر جاذبية من الاحتفاظ به. تسمي الأدبيات الاقتصادية هذا السلوك “الهروب من العملة المحلية”، بوصفه استجابة عقلانية لبيئةٍ عالية عدم اليقين.
يتراجع الميل إلى الادِّخار بالليرة معه، لأنَّ ما يهمُّ في المدخرات هو قدرتها على حفظ القوة الشرائية مع الزمن، بصرف النظر عن قيمتها الاسمية. تحويل جزء من الدخل إلى الدولار يصبح وسيلة لتقليل الخسائر المحتملة، أكثر منه استثماراً يستهدف الربح. ينعكس السلوك نفسه على القرار الاستهلاكي: تُفضِّل بعض الأسر شراء السلع المعمرة فور توافر السيولة، حتى دون حاجة فعلية، اعتقاداً منها أنَّ كلفة الشراء اليوم أقلُّ من كلفته غداً.
يبدو القرار منطقيًّا على مستوى الفرد، لكنَّه يرفع الطلب على مستوى الاقتصاد ككل فوق الحاجة الفعلية، ويضغط على الأسعار من جديد، فتتشكَّل حلقة تغذِّي نفسها: الخوف من ارتفاع الأسعار يدفع للشراء المبكر، والشراء المبكر يرفع الأسعار، فيتجدَّد الخوف. فجوة تتجاوز فارق الدخل تنتج الدولرة الحسابية شكلاً من التفاوت الاقتصادي لا تلتقطه مقارنات الدخل التقليدية.
الفارق بين من يتقاضى دخله بالليرة ومن يرتبط دخله بالدولار يتجاوز اختلاف القيمة الاسمية، ليمتدَّ إلى فارقٍ في القدرة على التخطيط واتِّخاذ القرار. يخطِّط صاحب الدخل بالدولار لادِّخاره واستثماراته بثقةٍ أكبر، بينما يضطر صاحب الدَّخل بالليرة إلى إعادة تقييم ميزانيته مع كلِّ تغيُّرٍ في الأسعار أو سعر الصرف. ومع الوقت تتَّسع الفجوة بينهما في الادِّخار وبناء الثروة، كما تواجه الشركات المعتمدة على السوق المحلية صعوبةً أكبر في التسعير والتخطيط مقارنة بالمؤسسات المرتبطة بالدولار، فتغدو قراراتها الاستثمارية أكثر تحفُّظاً.
الثقة هي العملة الحقيقية اختزال الدولرة الحسابية في سعر الصرف أو تراجع قيمة العملة تفسيرٌ ناقص. جوهر الظاهرة الثقة أولاً، والدولار مجَّرد انعكاسٍ لها. العملة الوطنية عقدٌ غير مكتوب بين الدولة والمجتمع، يقوم على اقتناع الأفراد بأنَّ ما يحتفظون به اليوم سيحفظ جزءاً معقولاً من قيمته غداً. يقارن الناس بين الليرة والدولار من زاوية اليقين والثقة. فكلَّما ارتفع عدم اليقين بشأن الأسعار والقوة الشرائية، اتجهوا إلى الدولار معياراً للقيمة. وتُظهر التجارب أنَّ استعادة الثقة بالعملة المحلية لا تتحقَّق بالقرارات الإدارية وحدها، بل بتراكم سياساتٍ اقتصادية متَّسقة تجعل الاحتفاظ بها أقلَّ مخاطرة، فتتراجع الدولرة الحسابية تدريجيًّا.
متطلبات المرحلة المقبلة
معالجة الازدواجية النقدية تبدأ من إعادة بناء البيئة التي تجعل الليرة الخيار الطبيعي كوحدةٍ للحساب. منعُ التسعير بالدولار أو تشديد الرقابة على الأسواق يحدُّ من المظاهر العلنية للظاهرة فحسب، ويبقى الدافع وراءها قائماً ما استمرَّ القلق بشأن القوة الشرائية وتوقُّعات التضخُّم المرتفعة. يتطلب ذلك استقراراً نقديًّا حقيقيًّا، وانضباطاً في السياسة المالية، وقدرةً أكبر على كبح الضغوط التضخمية، إلى جانب احتياطيات نقدٍ أجنبي تسمح بامتصاص الصدمات الخارجية عند الحاجة. يحتاج أيضاً إلى شفافيةٍ أعلى في إدارة السياسة الاقتصادية، فوضوح التوجُّهات المستقبلية يقلِّل عدم اليقين ويمنح الأسر والشركات قدرةً أفضل على التخطيط.
استعادة الثقة بالقطاع المصرفي شرط مواز: يعود الادِّخار بالعملة المحلية إلى البنوك حين يشعر الأفراد بأنَّ مدخراتهم آمنة من التآكل السريع. استقرار العملة يقوم على إدارة سعر الصرف، وعلى منظومةٍ مصرفية قادرة على تحويل المدخرات إلى استثماراتٍ منتجة، تعزِّز النمو وتخلق دورة تدعم قيمة العملة على المدى الطويل.
بين الدفع بالليرة والتفكير بالدولار الازدواجية النقدية تتجاوز في جوهرها مسألة التسعير أو اختيار عملة مرجعية للعقود، وتعكس العلاقة التي تربط المجتمع بعملته الوطنية. إذا اقتصر دور العملة المحلية على الدفع، بينما تُقاس القيمة بعملةٍ أخرى، يفقد الاقتصاد إحدى أهم ركائز الاستقرار النقدي. نجاح السياسة الاقتصادية في السنوات المقبلة يُقاس باستقرار سعر الصرف وانخفاض التضخُّم، ويُقاس أيضاً بقدرتها على إعادة الليرة إلى موقعها الطبيعي في أذهان الناس. يبدأ الاستقرار الحقيقي حين يتوقَّف المواطن عن تحويل كلِّ سعرٍ إلى الدولار قبل قرار الشراء، وتستعيد الليرة دورها معياراً تُقاس به القيمة. اللحظة التي يدخل فيها المواطن السوق دون آلة حاسبة ذهنية تقارن كلَّ سلعةٍ بالدولار قد تكون أدقَّ مؤشرٍ على تعافي الاقتصاد السوري، أدق حتى من التقارير الرسمية عن الاحتياطيات وأسعار الصرف ومعدلات التضخم. حين تعود الثقة إلى العملة، تستعيد النقود وظائفها الطبيعية، ويخرج الاقتصاد من منطق الدفاع عن القيمة إلى منطق خلقها.