سياسة

بصّارة تحت قُبة البرلمان

يوليو 19, 2026

بصّارة تحت قُبة البرلمان

كمال عيشة

بصَّرتُ.. ونجَّمتُ كثيراً، لكنّي لم أقرأ أبداً فنجاناً يشبه فنجانك، ولم أعرف يا ولدي أحزاناً تشبه أحزانك. قالها نزار على لسان قارئة فنجانه ذات يومٍ ليرثي قدراً فرديًّا متعثِّراً، غير أنَّه لم يدرك حينها أنَّ تلك النبوءة الموحشة ستقفز من ديوان الشعر إلى صميم المشهد العام، لتتَّسع وتشمل وطناً بأكمله. فاليوم ما يزال فنجان بلادنا مقلوباً تحت قبة البرلمان، تتزاحم فيه التأويلات أكثر ممَّا تتكشَّف الحقائق، ويبدو المستقبل نقشاً مبهماً في قاعه ينتظر من يفكُّ طلاسمه.

تحت تلك القبة حيث يُفترض أن تُهندس القوانين وتُرسم ملامح الدولة، يحضر مشهد البصّارة العجوز التي تقلِّب فنجان القهوة بحثاً عن إشارات الغد. غير أنَّ الفنجان هنا أكبر من أن تحمله يد؛ فقد اتَّسع ليضمَّ وطناً كاملاً يُحدِّق في قاعه المشرِّعون، وكلٌّ منهم يحاول أن يقرأ فيه صورةً مختلفة للمستقبل.

إنَّ ما يمنح هذا المجلس وزناً استثنائيًّا لا يشبه غيره هو كونه لا يمثّل برلماناً تقليديًّا تعاقبت عليه الدورات في مسارٍ روتيني مألوف، إنَّه أوَّل مجلس شعب ينبثق من عمق التحوُّلات الكبرى والتضحيات التاريخيَّة التي مرَّ بها السوريون، وهنا يكمن الفرق الجوهري: حين تُخفق برلماناتٌ تقليدية في تحقيق تطلعاتها، يبقى الإخفاق قابلاً للتصحيح في دورةٍ قادمة، أمَّا حين يُخفق هذا المجلس تحديداً، فإنَّ الإخفاق يمسُّ شرعية اللحظة التأسيسية نفسها ويهدِّد بإعادة إنتاج التحديات السابقة التي سعى الجميع لتجاوزها.

عندما يستقرُّ الفنجان مقلوباً على طاولة التشريع، تنكشف الخرائط الوعرة التي خلَّفها غليان السنين؛ قوانينُ باليةٌ تحتاج إلى الغربلة، وأزماتٌ معيشية تضغط على الأنفاس، وصدماتٌ متتالية هزَّت ثقة الشارع بسدَّة القرار، وصدأٌ إداري ينخر مفاصل العمل، وجراحٌ غائرة تنتظر عدالة حقيقية تشفيها.

هذه التعرُّجات المتراكمة تضع القائمين على التشريع أمام اختبارٍ يوميٍّ صعب؛ حين يُطرح قانون الإيجارات، أو تُناقَش آلية توزيع التعويضات، أو يُبحث قانون الأحوال الشخصية وما يحمله من إشكالات حساسة، أو يُطرح ملفُّ الإدارة المحلية وحدود اللامركزية، أو تُصاغ قوانين مكافحة الفساد الإداري وآليات المساءلة، أو يُناقش مصير المفقودين وحقوق ذويهم، أو تُوضع أسس قانون الانتخابات القادمة وضماناته تتكشَّف حقيقة النوايا في كلِّ ملفٍّ على حدة، فإمَّا نصٌّ يُصاغ بعباراتٍ مطَّاطة ترضي الجميع مؤقتاً وتؤجِّل الاستحقاق إلى أجلٍ غير مسمَّى، أو نصٌّ واضحٌ يحسم الحقوق ويشفي الصدور. إنَّها المعركة الحقيقية بين قراءةٍ استعراضية تُبهرج النبوءات، وقراءة شُجاعة تنحاز لصياغة قوانين تنبض بحياة النَّاس اليومية وتذود عن كرامتهم.

شحذت سنوات الانتظار الطويلة وعياً حادًّا في الشارع، ومنحت القلوب مناعةً صلبة ضدَّ الوعود الخُلبية التي طالما غُلِّفت ببهرج السراب. يرقب السوريون الآن بذاك الفهم الذي صقلته الأزمات، كيفية تحويل الخطوط المتشابكة على جدران الفنجان إلى خرائط تنفيذية واضحة تنقلهم من حيرة التساؤل إلى يقين الفعل. الرهان الحقيقي يرتكز على جسارة المشرِّعين في تفكيك الأنماط البالية والانحياز للهموم اليومية المُلحَّة. لأن التشييد التشريعي يمتد ليشمل الحجر والروح معاً. فإعادة الإعمار لا تلتئم إلا بإنصاف البشر: تشريعات عادلة تحسم الملفات العالقة المتنازع عليها وتؤسس ضماناً اجتماعيًّا حقيقيًّا.

تبقى العدالة الانتقالية بوابةً لا غنى عنها؛ إذ لا تُبنى ثقة جديدة بالدولة دون آليةٍ واضحة تضع حدًّا للإفلات من العقاب، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة -الأرامل، والمهجّرين، وعائلات المفقودين- من ارتدادات التحوُّلات القاسية التي مرَّت بها البلاد.

هذا التكامل يتجاوز كونه إجراءً استثنائيًّا لمواجهة حالة طارئة، لأنَّه إعادة تأسيس واعية للعقد الاجتماعي، تنتقل فيه المنظومة التشريعية من إدارة بيروقراطية رتيبة إلى شراكةٍ مجتمعية حقيقية، وتتحوَّل السلطة التشريعية إلى رافعةٍ لصناعة الاستقرار المستدام لتُرسم ملامح سوريا القوية الموحدة، ويصبح القانون ملاذاً آمناً للجميع، وجسراً يعبر بالبلاد من إرث التمزُّق إلى آفاق الازدهار المشترك.

وعند هذه العتبة تضعف سطوة البصَّارة تحت قبة البرلمان، ويقترب فنجان البلاد الذي طال بقاؤه مقلوباً من أن يستقيم أخيراً. تلك الأحزان الاستثنائية التي التمستها قارئة فنجان نزار يوماً، وتفرَّد بها وطننا دون غيره، قد تجد مخرجها الحقيقي إن انحازت القوانين للجسارة والعدالة المطلوبة. عندها تتحوَّل الخطوط الغامضة من رموزٍ غيبية إلى خارطة حياةٍ يصنعها السوريون بأيديهم، ويبدأ زمنٌ يكتب فيه الوطن أقداره بقوة الحقِّ والإنصاف، طاوياً -إن صدقت الإرادة- عهد التنجيم ونبوءات الغيب.

شارك

مقالات ذات صلة