مجتمع
دينا تايه
قناع الياسمين خلف جدران السلطة
لسنواتٍ طويلة، عملت الآلة الإعلاميَّة التابعة للنظام السوري على تقديم أسماء الأسد بصورة “سيدة الياسمين” و”وردة الصحراء”، المرأة ذات الصورة الناعمة، القادمة من خلفيةٍ غربيَّة وتعليم مصرفي، والتي ظهرت أمام الكاميرات باعتبارها راعية للمبادرات الإنسانية وحقوق الأطفال والعمل الاجتماعي.
لكن خلف هذه الصورة اللامعة، ظهرت مع مرور الوقت أسئلةٌ كثيرة حول الدور الحقيقي الذي أدَّته داخل منظومة الحكم، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن نفوذها الاقتصادي والسياسي، وتحوُّلها من شخصيَّةٍ تحمل واجهةً إنسانيَّة إلى واحدةٍ من أكثر الشخصيات إثارة للجدل داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالسلطة السوريَّة.
فهل كانت “سيدة الياسمين” كما رُوِّج لها أم أنَّ الياسمين كان مجرَّد غطاءٍ لصعود نفوذٍ اقتصادي وسياسي ارتبط بسنوات الحرب ومعاناة السوريين؟
من الواجهة الإنسانية إلى مركز النفوذ الاقتصادي
مع بداية الحرب السورية، بقي اسم أسماء الأسد مرتبطاً بالمؤسسات الإنسانيَّة والمشاريع الاجتماعية، إلا أنَّ السنوات اللاحقة شهدت صعوداً ملحوظاً لدورها داخل الملفات الاقتصادية.
وتشير تقارير صحفيَّة ودراسات سياسية إلى أنَّ نفوذها توسَّع داخل دوائر صنع القرار الاقتصادي، بالتزامن مع إعادة تشكيل شبكة رجال الأعمال المقرَّبين من القصر الرئاسي، في مرحلةٍ شهدت تراجع نفوذ شخصيات اقتصاديَّة تقليديَّة كانت جزءاً من منظومة الحكم.
سقوط إمبراطورية رامي مخلوف وبداية مرحلة جديدة
كان الخلاف بين بشار الأسد وابن خاله رامي مخلوف عام 2020 من أبرز التحوُّلات الاقتصاديَّة داخل النِّظام السوري.
فبعد سنواتٍ كان فيها مخلوف أحد أهمّ رجال الأعمال المرتبطين بالنظام، بدأت إجراءاتٌ بحقه شملت الحجز على ممتلكاتٍ وشركات تابعة له، من بينها شركة “سيريتل”، في خطوةٍ اعتبرها مراقبون إعادة ترتيب لمراكز القوة الاقتصادية داخل النِّظام.
وربطت بعض التحليلات هذه التحوُّلات بصعود دور أسماء الأسد، التي اتُهمت من قبل معارضين للنِّظام بأنَّها أدَّت دوراً في بناء شبكةٍ اقتصادية أكثر ارتباطاً بالقصر الرئاسي، وتحويل الولاء السياسي إلى أداةٍ للسَّيطرة على الموارد.
الأمانة السورية للتنمية: بين العمل الإنساني والفساد
كانت “الأمانة السورية للتنمية” إحدى أبرز الواجهات المرتبطة باسم أسماء الأسد، حيث قدَّمت نفسها كمنظمةٍ تهدف إلى دعم التنمية والمجتمع.
لكن هذه المؤسَّسة واجهت انتقاداتٍ واسعةً من معارضين وحقوقيِّين، الذين رأوا أنَّها أصبحت جزءاً من صورةٍ حاول النِّظام تقديمها للمجتمع الدولي، بينما كانت سوريا تعيش واحدةً من أعنف الأزمات الإنسانيَّة في العصر الحديث.
ويرى المعارضون أنَّ استخدام الخطاب الإنساني لم يكن منفصلاً عن منظومة السُّلطة، بل كان وسيلةً لتحسين صورة الحكم في الخارج، في وقتٍ كان فيه السوريُّون يواجهون القمع والدَّمار والنُّزوح.
بين الياسمين وذاكرة الضحايا
لم تكن قصَّة أسماء الأسد منفصلةً عن قصَّة النِّظام الذي حكم سوريا خلال سنوات الحرب. فخلف الصور الرسمية والابتسامات أمام الكاميرات، بقيت ذاكرة السوريِّين تحمل مشاهد القصف والاعتقالات والدمار والانتهاكات التي وثَّقتها منظماتٌ حقوقيَّة دوليَّة.
ولهذا يرى كثيرون أنَّ لقب “سيدة الياسمين” لم يعد قادراً على اختصار صورتها، بعدما أصبحت بالنِّسبة للمعارضين رمزاً للطبقة الحاكمة التي استفادت من اقتصاد الحرب، ورسَّخت نفوذها بينما دفع السوريُّون الثَّمن الأكبر.
الخاتمة: سيدة الياسمين أم سيدة الفساد الممنهج؟
بينما حاول الإعلام الرسمي تقديم أسماء الأسد باعتبارها وجهاً إنسانيًّا ناعماً للنِّظام السوري، يرى السوريُّون أنَّها كانت جزءاً من منظومة حكمٍ اعتمدت على النُّفوذ والمال والسَّيطرة خلال سنوات الحرب.
وبين لقب “سيدة الياسمين” والصورة التي رسمتها الدعاية الرسميَّة، تقف صورةٌ أخرى رسمها الضَّحايا: صورة امرأة ارتبط اسمها بأسئلةٍ كبيرة حول السُّلطة والثروة والفساد داخل واحدةٍ من أكثر الأنظمة إثارةً للجدل في المنطقة.
ويبقى السؤال: هل كانت أسماء الأسد مجرَّد وجهٍ تجميلي للنِّظام السوري، أم أنَّ لقب «سيدة الياسمين» كان ستاراً لامرأةٍ ارتبط اسمها بمنظومة فسادٍ ونفوذ اقتصادي ساهمت في إحكام قبضة السلطة على ثروات البلاد؟