مدونات

الصدمة السورية.. تجربة غير مُستوعبة

يوليو 15, 2026

الصدمة السورية.. تجربة غير مُستوعبة

ضحى عبد الحميد السطم

في عام 1996 كتبت كاثي كاروث الأكاديميَّة الأمريكيَّة والمعروفة في مجال الصدمة وتأثيرها على الأفراد، كتبت كتابها المتعلِّق بالصدمة والتجربة Unclaimed Experience، والذي يمكن ترجمة عنوانه بشكلٍ دقيق (التجربة غير المُستوعبة) وهنا تشرح كاروث أنَّ التَّجربة الصادمة لا يستوعبها العقل بشكلٍ مباشر، فيكبتها ويؤجِّلها ثمَّ تظهر بعد هذا تدريجيًّا وتتكرَّر على شكل علاقات سامة أو كوابيس أو محاولات جسدية لإحياء الصدمة مجدَّداً، وسيظلُّ العقلوالجسد أحياناً- يعيد إحياء الصدمة في محاولة تقريبية لتحفيز النَّفس على مواجهة الصَّدمة والشِّفاء منها. وقد يسأل أحدنا: ما علاقة هذه النظرية الغربية بالتَّجربة السوريَّة المريرة؟ وهنا يكمن دورنا في الإجابة.

إنَّ الفرد السوري الذي عاش عقوداً من الظلم والقهر، ومرَّت عليه تجارب لا حصر لها في الحرب والاعتقال وكلِّ طرق الموت، هو أكثر من يعرف معنى الصَّدمة والتَّجربة والصِّراع النَّفسي، وهنا على المجتمع أن يقف سلطة وشعباً ليواجه هذا الأمر ويحاول أن يعالجه ولو بطرقٍ بسيطة تدريجيَّة.

ولنُعطِ مثالاً على هذا لتبسيط الأمر، فإنَّ الطفل الذي شهد إحدى المجازر، هو رأى الدماء والأشلاء تتطاير، وسمع أصوات الرصاص والقصف، تخيَّلوا معي طفلاً يقف في وسط هذا الرُّكام والغبار وينظر نحو الجثث والمنازل ويشتمُّ رائحة الموت القريب منه، هنا يحاول العقل أن يحمي نفسه.. فبدلاً من إدراك الموضوع بشكلٍ كامل واستيعاب مدى فداحة الوضع، يدفن العقل هذه الصور والمشاهد ويحاول أن يركِّز على أشياء أبسط.

هذا يذكِّرنا بالطفل عمران الذي أمام مشهد القصف والموت كان يركِّز على الدَّم فوق ذراعه كما لو أنَّه يصبُّ كلَّ تفكيره نحو هذا الأمر بدون محاولة استيعاب مصدره أو سببه أو ماهيته. لكنَّ العقل لا يدفن المشهد للموت، بل يؤجِّله لكي يحمي نفسه من الجنون.. وهذا ما يفسِّر الكوابيس التي تراود الأطفال بل وحتى البالغين، أو الطفل الذي يكبر وهو يعاني من حالةٍ مرضية مثل التبوُّل اللاإرادي رغم أنَّه وصل لمرحلة السلام وابتعد عن مشهد الحرب، لكنَّ عقله يحاول تشجيعه على مواجهة الصدمة ليشفي نفسه فتجده يذكِّره بهذا الجرح بطرقٍ مختلفة. كوابيس، أرق، مرض جسدي، أفكار انتحارية، اكتئاب مزمن، بل وحتى حب العنف أو تصدير العنف مجدَّداً.

ولنأخذ مثالاً سريع، قال عمر الشغري في مقابلة له بعد نجاته من سرداب صيدنايا، أنَّه ظلَّ فترة معينة بعد خروجه لا يستطيع النوم مستلقيًا أو راقداً بشكلٍ طبيعي، وإنَّما كان يتكوَّر على نفسه تماماً كما علّموه في المعتقل، وهذا قد يكون اعتياد الجسد على نمط نوم معين فيحتاج لتأقلم جديد، ولكن أيضاً قد يكون محاولة العقل بتذكير عمر بأنَّ صدمة المعتقل لن تتبخر تلقائياً وستظلُّ محفورة ليس فقط فوق الجسد كندوب التعذيب التي تلقَّاها، ولكن أيضاً في الروح.. وسيحاول العقل اجترار المشهد والصدمة والتجربة مرَّات ومرَّات حتى يجبر عمر_ وغيره من المعتقلين الناجين_ على العلاج والشفاء. وهنا نتذكَّر قبل فترةٍ قصيرة، الشاب الذي أقدم على الانتحار في دمشق بعد خروجه من صيدنايا، فرغم أنَّه نجا وأنَّ الحرب والمعاناة والتعذيب انتهوا لكن العقل الآن يحاول أن يتعالج وحين لم يجد ما يعالجه أو من يحتويه سيعذِّب النفس ويهلكها ويستنزفها حتى يقرِّر المرء إنهاء حياته بنفسه.

الأمر مرعب في حال فكَّرنا بأجيال وأجيال مرَّت بهذه الصدمات، وهؤلاء النَّاس اليوم يحاولون عيش حيواتهم بعد النَّصر وانتهاء الحرب، لكن عقولهم ستظلُّ تؤذيهم نفسياً كما لو أنَّ ذبابة تؤز في أدمغتهم بلا نهاية. فكروا في الفتيات اللواتي تمَّ اغتصابهن ولم يمتن، الأطفال الذين شهدوا موت عوائلهم، الأمهات اللواتي رأين أشلاء أطفالهن، الرجال الذين مسكوا جثث أبناء بلدهم، بل وحتى العساكر الذين حاربوا ورأوا موت رفاقهم. هذه الصَّدمات المريرة الكبيرة تجذَّرت في أرواحنا، وعلقت داخل عقولنا، وهي مثل بركان خامد لكنه ينتظر أن يفور في أيِّ لحظة..

إنَّ النَّصر الذي أنعمه اللَّه علينا هو فرحة نستحقها بعد سنوات الظلم، لكن آثار تلك السنوات لا تتبخَّر بهذه الفرحة مع الأسف، بل تظلُّ تنخر داخلنا مثل دودة وتقضم من أرواحنا شيئاً فشيئاً، لهذا سمتها كاروث الصَّدمة غير المُستوعبة.. لأنَّ رعب الحدث جعله أضخم من أن نحتمله وبالتالي ساعدنا عقلنا في ضغطه وإخفائه في منطقة مظلمة داخلنا، ينتظر منَّا لحظة صمت أو هدوء لكي يستعيده مجدَّداً بطرق مختلفة متشابهة.. ولهذا علينا أن نحاول نسف تلك الذكريات، أن نواجه الخوف ونتقبله ثمَّ نمحيه تماماً من أدمغتنا لكي نستطيع أن نتعالج من سنوات الحرب المريرة.

شارك

مقالات ذات صلة