سياسة
دينا تايه
تشهد الجبهة الجنوبيَّة السوريَّة تحوُّلات ميدانية متسارعة، تتجاوز في أبعادها مجرَّد ترتيباتٍ أمنية مؤقتة، لتطرح تساؤلاتٍ جوهريَّة حول إعادة رسم التوازنات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. ويأتي التوغُّل الإسرائيلي الأخير في ريف درعا الغربي، وإقامة نقاط عسكريَّة وخيام ميدانيَّة في محيط تل المغر وبلدات حوض اليرموك، مؤشراً على انتقال إسرائيل من الاعتماد على خطوط فضِّ الاشتباك التقليدية إلى فرض وقائع ميدانية جديدة بقوة السيطرة العسكريَّة.
ويُشير عدد من الباحثين إلى أنَّ هذه السياسة تشبه نهج فرض الأمر الواقع التدريجيّ الذي اتَّبعته إسرائيل في مناطق أخرى، بما في ذلك هضبة الجولان السوريَّة المحتلَّة، والتي أعلنت إسرائيل ضمَّها عام 1981، وهو إجراءٌ لم يعترف به المجتمع الدولي وما تزال الأمم المتحدة تعتبر الجولان أرضاً سورية محتلة.
من اتفاقية فضِّ الاشتباك إلى واقعٍ ميدانيٍّ جديد
أعقبت هذه التحرُّكات إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ديسمبر/ كانون الأول 2024 أنَّ إسرائيل لم تعد تعتبر ترتيبات اتفاقية فضِّ الاشتباك لعام 1974 قابلة للتطبيق في ظلِّ المتغيَّرات التي شهدتها سوريا. إلا أنَّ الاتفاقية نفسها لم تُلغَ قانونيًّا، إذ إنَّ إنهاءها لا يتمُّ بإعلان أُحادي الجانب وفق القانون الدولي.
وخلال تلك الفترة، تحدَّثت تقارير إعلامية ومصادر متابعة عن توسُّع السيطرة الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وقدرت بعض هذه التقارير المساحة التي دخلتها القوات الإسرائيلية بنحو 350 كيلومتراً مربعاً، تمتدُّ من محيط جبل الشيخ شمالاً إلى مناطق في حوض اليرموك جنوباً، بينما تختلف التقديرات باختلاف المصادر.
تُشير تقارير إعلامية وصور أقمار صناعية إلى أنَّ إسرائيل انتقلت من الانتشار المؤقت إلى إنشاء بنية عسكريَّة أكثر ثباتًا، من خلال:
وعلى المستوى السياسي، أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أنَّ الجيش يسعى إلى الحفاظ على “منطقة أمنية” في جنوب سوريا لفترةٍ غير محدَّدة، مع اشتراط بقاء المنطقة خالية من الأسلحة الثقيلة ومن أي وجود لقوات تعتبرها إسرائيل معادية.
أثارت هذه التطورات ردود فعلٍ عربية واسعة.
يرى محلَّلون أنَّ التوسُّع العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري لا يمكن فصله عن النقاش الدائر منذ سنواتٍ حول بعض التصورات الأيديولوجية التي تتبنَّاها تيارات داخل اليمين الإسرائيلي، وعلى رأسها فكرة “إسرائيل الكبرى”.
ويشير باحثون إلى أنَّ هذا المفهوم يستند لدى بعض التيارات القوميَّة والدينيَّة إلى تفسيراتٍ تاريخية ودينية لعبارة “من النيل إلى الفرات”، .
وجاء ذلك تزامناً مع شخصياتٍ من اليمين الإسرائيلي أثارت جدلاً خلال السنوات الأخيرة بسبب استخدام خرائط أو تصريحات فُسرت على أنَّها تعكس رؤى توسُّعية، من أبرزها:
تُظهر التطورات الأخيرة في ريف درعا الغربي وحوض اليرموك تحوُّلًا واضحًا في طبيعة الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الجنوب السوري، من عملياتٍ محدودة إلى انتشار أكثر رسوخًا، بحسب ما تشير إليه التقارير الميدانية.
وفي ظلِّ استمرار هذا الواقع، يرى عدد من المحلِّلين أنَّ هذه التحرُّكات قد تتجاوز البعد الأمني المباشر، وقد تعكس محاولةً لترسيخ وقائع جغرافية جديدة على الأرض، وهو ما يجعل مستقبل الجنوب السوري مرتبطًا ليس فقط بالتوازنات العسكريَّة، بل أيضًا بمواقف المجتمع الدولي وقدرته على التعامل مع هذه المتغيِّرات ضمن إطار القانون الدولي.