سياسة

ذاكرة الغضب.. بين هيبة السلطة وسقوط رموزها

يونيو 14, 2026

ذاكرة الغضب.. بين هيبة السلطة وسقوط رموزها

في التّاريخ السّياسي، لا يُقاس الاستبداد فقط بحدّة أدواته، بل بعمق ما يتركه في الوعي العام للناس، فحين تمتدّ السلطة لسنواتٍ طويلة دون مساءلة حقيقية، لا تعيد فقط تشكيل مؤسّسات الدولة، بل تعيد أيضاً تشكيل اللغة نفسها: ما يُقال، وما يُخفى، وما يُهمس به في الزوايا الضيقة.

عند هذه النّقطة، تصبح السّياسة أقل حضوراً كفعلٍ علني، وأكثر حضوراً كظلّ ثقيل يرافق تفاصيل الحياة اليومية.

في الحالة السّورية، ارتبط اسم حافظ الأسد بمرحلة تأسيس لنموذج حكم دكتاتوري شديد المركزية، تداخلت فيه الدّولة مع السّلطة، وتقلّصت فيه المسافة بين القانون والإرادة السّياسية.

 ومع تراكم السّنوات، تشكّلت حول هذا النموذج منظومة أمنية وسياسية تقف على رقبة الشعب، كان أحد أبرز تجلياتها مجزرة حماة عام 1982، التي تحوّلت إلى علامةٍ فارقة في الذاكرة السورية، لا بوصفها واقعة عنف، بل بوصفها لحظة أعادت تعريف حدود الممكن والممنوع في العلاقة بين المجتمع والسلطة.

هذا الإرث لم يتوقّف عند حدود تلك المرحلة، بل امتدّ أثره إلى البنية الاجتماعية والسّياسية اللاحقة، حيث ترسّخت ثقافة الخوف، وتعمّقت الفجوة بين الدولة والمجتمع، وأصبح التّعبير العلني عن الرأي محاطاً بقيود غير مرئية أحياناً، وأكثر صراحة في أحيانٍ أخرى.

 ومع مرور الوقت، لم تعد السّلطة تُمارَس فقط عبر المؤسسات، بل عبر شبكة واسعة من الضبط الاجتماعي والسّياسي التي تتجاوز الدولة إلى تفاصيل الحياة اليومية.

ومع وصول بشار الأسد البائد إلى الحكم، لم تنفصل المرحلة الجديدة عن السّياق السّابق بقدر ما أعادت إنتاجه ضمن ظروف مختلفة، فبين وعود الإصلاح في بدايات الألفية، والثّورة التي انطلقت عام 2011، دخلت البلاد في مسارٍ جديد من الحروب التي مارسها الأسد على شعبه، شهد استخداماً واسعاً للقوة العسكرية والأمنية، وتحوّل تدريجياً إلى حرب طويلة أعادت تشكيل الجغرافيا السورية والواقع الاجتماعي على حد سواء.

في هذا السياق الممتد من القمع والانهيار، لم تعدّ اللغة مجرد وسيلة توصيف للواقع، بل تحوّلت إلى مساحةٍ بديلة للتعبير عن الصّدمة والغضب والرفض، وهنا تحديداً تتشكّل أهمية “فلسفة الشتيمة” كظاهرةٍ اجتماعية: ليس بوصفها انفعالاً لغوياً عابراً، بل بوصفها نتيجة مباشرة لانسداد المجال السّياسي، حيث تتحوّل الكلمات إلى آخر ما تبقى من أدوات التعبير حين تُغلق السياسة أبوابها.

في المحصلة، لا يبدو أنّ الحكاية السورية مع الأسدين انتهت عند لحظة سياسية أو تاريخية محدّدة، بل عند لحظةٍ وعي جماعي قرّر أن يعيد تسمية الماضي بطريقته الخاصة، فحين تتراجع سلطة الدّولة بوصفها رواية وحيدة للتاريخ، يتقدّم الناس بلغتهم هم، بما تحمله من ذاكرةٍ مكثفة، ورفض متراكم، ومحاولة متأخرة لاستعادة ما فُقد من معنى العدالة.

ليست المسألة هنا في الكلمات بحدّ ذاتها، بل في ما تكشفه: أنّ العلاقة مع ذلك الإرث لم تُدفن بهدوء، وأنّ ما تراكم عبر عقود لا يُمحى بمرور الزمن، بل يتحوّل إلى حضورٍ رمزي دائم يُستدعى في كلّ ذكرى، كإشارةٍ إلى أن الصفحة لم تُغلق تماماً بعد.

 

شارك

مقالات ذات صلة