سياسة

الرائد سالم حبوش. الذي رفض دك حمص بالمدفعية واختار حماية أهله

يوليو 30, 2026

الرائد سالم حبوش. الذي رفض دك حمص بالمدفعية واختار حماية أهله

الرائد سالم حبوش: الضابط الذي رفض دك حمص بالمدفعية واختار حماية أهله

تُمثِّل قصة الرائد سالم عبد الكريم حبوش إحدى العلامات المفصلية والمبكِّرة في تاريخ الانشقاقات العسكرية السورية؛ حيث جسَّد نموذج الضابط المحترف الذي وضع الشرف العسكري والتكليف الأخلاقي فوق الانصياع للأوامر الأمنيَّة الردعية. تحوَّل حبوش من ضابطٍ قيادي في صفوف “الفرقة 18 دبَّابات” بالجيش السوري إلى أحد أبرز المؤسسين للمجموعات والكتائب الدفاعية الأولى التابعة للجيش السوري الحر في الوسط والشمال السوري، مخلفاً وراءه رتبته العسكريَّة ومستقبله المؤمَّن، للانحياز الميداني التَّام لحماية المدنيين وأحياء حمص وإدلب، حتى ارتقائه شهيداً في ساحات القتال.

من ثكنات “الفرقة 18 دبابات” إلى نقطة التحوُّل الأخلاقي في القصير

ينحدر الرائد سالم عبد الكريم حبوش من محافظة إدلب بشمال غربي سوريا، ونشأ في بيئةٍ ريفية صقلت فيه الانضباط والشرف العسكري. تخرَّج في الكلية الحربية وتدرَّج في الرتب العسكرية كضابطٍّ متمرِّس في سلاح المدفعية والمدرعات حتى نال رتبة رائد، حيث شغل موقعاً قياديًّا كضابط مدفعية ومدرعات في الكتيبة (432 ميم دال) التابعة لـ “الفرقة 18 دبابات” المتركِّزة في المنطقة الوسطى. مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية عام 2011 وتمدُّد الحراك المدني إلى مختلف المحافظات، وضع حبوش وقواته في خطوط المواجهة الأولى في ريف حمص الاستراتيجي ومدينة القصير.

تمثَّلت نقطة الانعطاف الحاسمة في مسيرته عند صدور أوامر عسكرية مباشرة ومشدَّدة من القيادة العليا تقضي بضرب الأحياء السكنية المأهولة بالسكان والمشافي الميدانيَّة في مدينة حمص وريفها بالقذائف الصاروخيَّة والمدفعية الثقيلة وراجمات الهاون. رفض حبوش تنفيذ تلك التعليمات، التي اعتبرها انتهاكاً صارخاً للواجب العسكري وأخلاقيَّات السلاح وجريمة بحقِّ أبناء شعبه، محذِّراً القيادة من خطورة تحويل القوات المسلحة الوطنية إلى أداةٍ لقمع المواطنين، ومقرِّراً حسم موقفه النهائي بالاصطفاف الكامل مع الأهالي والمطالب الشعبيَّة الداعية للتغيير والحرية.

“حين تحمل السلاح ضد أبناء شعبك تشعر بأنَّك لا تستحق لقمة العيش؛ أمَّا عندما تحمله دفاعاً عن حرية ناسك وكرامتهم، فإنَّك تسترد معاني الشرف العسكري الحقيقي.” الرائد سالم حبوش في إحدى كلماته الميدانية الأولى عام 2012.

تفاصيل الانشقاق وقيادة المجلس العسكري بحماة الانتقال إلى لواء شهداء إدلب

في 23 شباط/فبراير 2012، أعلن الرائد سالم حبوش انشقاقه الرسمي والعلني عن الجيش السوري وانضمامه إلى صفوف “الجيش السوري الحر”. جرت عملية خروجه بالتنسيق الميداني الدقيق مع عناصر من الحراك المسلَّح المحتضن للمدنيين في منطقة القصير؛ حيث انسحب حبوش من الحاجز العسكري مستخدماً إحدى الآليَّات العسكرية التابعة للجيش، والتي أقدم على تفجيرها لاحقاً لإرباك الأجهزة الأمنية وإخفاء أثره لضمان خروجه الآمن ومنع إعادة استخدامها ضدَّه أو ضدَّ المدنيين.

عقب نجاح انشقاقه، لم ينكفئ حبوش أو يغادر الحدود نحو دول الجوار، بل سخَّر خبرته التنظيمية والعسكرية فوراً لصالح الحراك المسلح في الوسط السوري؛ حيث شغل موقع نائب قائد المجلس العسكري في محافظة حماة، مساهماً بفاعليةٍ في تنظيم العمليات وتأطير الكتائب الميدانية المبعثرة تحت مظلَّة قيادية واحدة. غير أنَّ رغبته الصادقة في الدفاع عن مسقط رأسه والتواجد على خطوط التماس المباشرة مع أهله دفعته لاحقاً للانتفال إلى شمال غربي سوريا، حيث انضمَّ إلى “لواء شهداء إدلب” (الذي قاده الشهيد باسل عيسى)، مكرِّساً كلَّ خبراته التكتيكية والميدانية لتعزيز التشكيلات الدفاعية لحماية مدن وبلدات المحافظة من الاقتحامات المتكرِّرة.

التخطيط الميداني واستشهاد القائد على خطوط المواجهة الأولى

تميَّز أسلوب الرائد سالم حبوش القيادي بالجمع بين التواجد الميداني في الخطوط الأمامية والتخطيط العسكري الصارم؛ حيث أدار مع مقاتلي “لواء شهداء إدلب” سلسلةً من المعارك الدفاعية والكمائن الاستراتيجية لتأمين الممرَّات الإنسانية ونقل الجرحى والمصابين، وتخفيف الحصار عن المناطق والبلدات المنكوبة. هذا الحضور الفاعل والمؤثِّر جعل منه مطلباً رئيساً لأجهزة الاستخبارات، والتي كثَّفت عمليات الرصد الجوي والاستخباراتي لمقرَّاته ومحيط تحرُّكاته الميدانيَّة.

وفي إحدى المعارك الدفاعيَّة الشرسة التي قادها بنفسه لصدِّ محاولة تقدُّم القوات الحكومية وتقطيع أوصال ريف المحافظة، استُهدف موقع الرائد سالم حبوش بقصفٍ صاروخيٍّ ومدفعيٍّ مكثَّف أثناء إشرافه الميداني المباشر على ثغرةٍ دفاعيَّة حاسمة لتغطية انسحاب الأهالي والمجموعات المحاصرة، ممَّا أسفر عن ارتقائه شهيداً في قلب الميدان. شكَّل نبأ استشهاده خسارةً فادحة للعمل العسكري المنظَّم في الشمال السوري، ونعته التشكيلات الوطنية والعسكرية كأحد أوائل الضباط الأحرار الذين أسَّسوا النواة العسكرية الأولى للجيش الحرِّ.

تكمُن الرمزيَّة التاريخية للرائد سالم حبوش في أنَّه مثَّل الشرف العسكري في أنقى صوره؛ حيث آثر الضمير والواجب الإنساني على الرتبة والموقع، وكتب بدمائه فصلاً في تاريخ الضباط السوريين الذين رفضوا أن تكون أسلحتهم موجَّهة ضدَّ أهاليهم، تاركاً اسماً محفوراً في ذاكرة النضال الوطني السوري.

شارك

مقالات ذات صلة