سياسة

الشرق الأوسط بين خطيئة الماضي وتخالف المستقبل

يوليو 31, 2026

الشرق الأوسط بين خطيئة الماضي وتخالف المستقبل

أسامة أحمد نزار صالح

في خريف عام 1914، وقف “أنور باشا” أمام مرآة التاريخ مغامِراً بمصير إمبراطوريةٍ شيّدت مجدها عبر القرون. وفي ليلةٍ غاب فيها الحذر وسادتها الأوهام البرَّاقة للوعود الألمانية، جُرَّت الخلافة العثمانية إلى أتون الحرب العالمية الأولى بـ”خدعةٍ بحرية” لم يعلم عنها السلطان نفسه؛ حيث ارتدى البحارة الألمان “الطربوش العثماني” وقصفوا الموانئ الروسيَّة، ليضعوا العالم الإسلامي أمام أمرٍ واقعٍ مرير. لم تكن تلك الحادثة مجرَّد قرارٍ عسكري مرتجل، بل كانت خطيئة “اختيار الكفَّة الخاطئة” في صراع الكبار، والتي دُفع ثمنها تفكيكاً للجغرافيا العربية، وسقوطاً مدوِّياً لآخر مظلَّة سياسية سنية عام 1924؛ لتبقى تلك المغامرة درساً أبدياً في دهاليز السياسة: حين تُقاد الأمم بالعواطف، لا تحصد في النهاية سوى المقابر.
اليوم، وبعد أكثر من قرنٍ على تلك اللحظة المفصلية، يبدو أنَّ الدرس التاريخي يعود بصيغة جديدة؛ إذ يتمدَّد الشرق الأوسط بأكمله على حزامَيْ صَدْعٍ جيوسياسي شديدَيْ الخطورة والتعقيد، تترسَّب تحتهما صفائح القوة وتتصارع على حوافهما المشاريع الإقليمية والدولية. حزامٌ أول تُشكِّله إسرائيل وتتمدَّد ارتداداته المباشرة لتشمل سوريا ولبنان والأردن ومصر والسلطة الفلسطينية؛ وحزامٌ ثانٍ يمتد ثقله الإيراني ليتشابك مع مدارات الخليج العربي والعراق واليمن، بل ويتداخل عميقاً مع الحزام الأول في الساحتين السورية واللبنانية. ومع تحريك هذه الصفائح من قبل القوى العالمية والإقليمية الكبرى—كأمريكا والصين وروسيا وتركيا—قد يحدث زلزالٌ جيوسياسي تكون نتيجته إمَّا تدشين “قرنٍ أمريكي بامتياز” يُعيد فرض الهيمنة وتثبيت القواعد، أو إرساء “عالمٍ متعدد الأقطاب” يطفئ فيه التنين الصيني شعلة القيادة الأمريكية للعالم.
وتاريخيًّا، لم تتشكَّل هذه الصفائح الجيوسياسية من فراغ، بل تحرَّكت عبر سلسلة من التحالفات والمحطات التاريخية التي أدارتها واشنطن ببراغماتية مفرطة. بدأت حركة هذه الصفائح بتأسيس حلفٍ أمنيٍّ صلب بين شاه إيران وإسرائيل لحراسة المصالح الغربية، ولا سيَّما في المياه الدافئة، ولتطويق “المشروع الناصري” والقومية العربية.
لكن الزلزال الأول (1978 – 1979) ضرب المنطقة مع توقيع اتفاقيات “كامب ديفيد” وخروج مصر من معادلة الصراع العربي-الإسرائيلي، بالتوازي مع سقوط الشاه ونشوب الثورة الإيرانية عام 1979؛ فتولَّد عن هذه الحركة العنيفة صعود مشروعين: “الجمهورية الإسلامية” التي أعلنت تصدير الثورة ومبدأ ولاية الفقيه، و”الإسلام السياسي الجهادي السني” الذي وظَّفه الغرب كحائط صدٍّ ميداني وأيديولوجي بوجه المدِّ السوفيتي في أفغانستان.
ثمَّ جاء الزلزال الثاني (1990 – 1993) مع غزو الكويت عام 1990، ليعيد تحريك الصفائح نحو عقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وبداية تشكُّل ما يُعرف بـ “محور الممانعة”، بالتوازي مع تفكُّك الاتحاد السوفيتي عام 1991 والوجود الأمريكي المباشر في المياه الدافئة. شهدت هذه المرحلة بداية الصدام بين واشنطن وهذا المحور—كما تجلّى في هجوم المارينز في بيروت عام 1983—إلى جانب نهاية الزواج النفعي بين أمريكا والإسلام الجهادي في مواجهات معركة مقديشو بالصومال عام 1993.
أمَّا الزلزال الثالث (2001 – 2003)، فكان أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما تبعها من سقوط بغداد عام 2003، وهو ما أدَّى إلى تفكيك التوازن الإقليمي التاريخي. وفي خضمِّ هذا الانكشاف، جاء اغتيال رفيق الحريري عام 2005 على يد الأذرع العسكرية الحليفة لطهران في لبنان، كضربةٍ استباقية قاتلة لمشروع “الاعتدال السني”؛ ذلك المشروع الذي كان المُرشَّح الطبيعي والشرعي للتحالف مع الغرب لمواجهة الإسلام الجهادي السني. وبإزاحته، خُلق فراغٌ استراتيجي جرى ملؤه بفرض شبكات النفوذ الفئوية والميليشيات العابرة للحدود لإحداث خللٍ عميق في ميزان الديموغرافيا السياسية ولتمزيق البنية المؤسسية للمكوِّن السني في المنطقة.
وفي هذه اللحظة المفصلية، اتَّجهت إدارة باراك أوباما نحو هندسة عقيدة سياسية جديدة قائمة على الشراكة الضمنية مع طهران لاحتواء “الإسلام الجهادي السني”. تبلورت هذه العقيدة في الاتفاق النووي عام 2015؛ حيث اختزلت واشنطن التهديد الإيراني في أجهزة الطرد المركزي، وغضَّت الطرف عن التمدُّد العسكري لطهران. تجلّى هذا التوافق غير المعلن في استباحة الساحة السورية، حين منح البيت الأبيض ضوءاً أخضر للميليشيات الحليفة لطهران—ومن خلفها التدخُّل الروسي—لإعادة تشكيل الخارطة السورية وتثبيت السلطات الهشَّة القائمة على المحاصصة، في مقايضةٍ صريحة قايضت فيها واشنطن الاستقرار السياسي للعمق العربي والخليجي لصالح مهادنة طهران.
ثمَّ جاء الزلزال الرابع (2015 – 2021) بمثابة ارتدادٍ عكسي أعاد ضبط حركة الصفائح في المنطقة. بدأ هذا التحوُّل مع نجاة الممالك الخليجية من أتون فوضى “الربيع العربي”، وإطلاق السعودية لعملية “عاصفة الحزم” في اليمن عام 2015 لحماية حدودها الجنوبية؛ بالتوازي مع بلورة مشروع نهضوي سيادي تقوده “رؤية 2030” للأمير محمد بن سلمان، واستقرار “الأردوغانية السياسية” في تركيا عقب فشل الانقلاب عام 2016. تشكَّلت مع هذه التحوُّلات نواتان صلبتان تمثِّلان ولادةً جديدة لـ “الاعتدال السني”. ثمَّ اكتمل شريط هذا الزلزال مع صعود دونالد ترامب والترامبية السياسية عام 2017؛ حيث انكسرت المقاربة الأوبامية لصالح سياسة “الضغط الأقصى”، فألغت واشنطن الاتفاق النووي عام 2018، وأعادت فرض عقوباتٍ خنقت اقتصاد طهران، لتصل المواجهة أوجها باغتيال قاسم سليماني عام 2020—قطع الرأس المدبِّر للنفوذ الإيراني العابر للحدود. ومع تصفير الخلافات البينية في قمة العلا عام 2021 وإنهاء الأزمة السعودية-القطرية، تلاحمت المصالح الإقليمية لتُعلن عن ولادة كتلةٍ سنيَّة متماسكة، انتقلت من مرحلة الترقُّب إلى الاستجابة الصلبة والردع المباشر.
ومع استشعار طهران لمحاصرة نفوذها وانغلاق الأفق أمام مشروعها الإقليمي، جاء الردُّ عبر تحريك الصفائح بطريقةٍ انتحارية، ليتفجَّر “زلزال السنوار” في السابع من تشرين الأول 2023؛ كعاصفةٍ هدفها إعادة خلط الأوراق وتعطيل شبكة التحالفات العربية-الحديثة. لكن حسابات الميدان انقلبت على صانعيها؛ إذ أطلق هذا الانفجار ارتداداتٍ جيوسياسية هائلة تجاوزت غزَّة، لتتحوَّل إلى “تسونامي أحمد الشرع” في سوريا، والذي أطاح بنظام الأسد وترتيباته الفئوية، وأنهى نفوذ “قسد”، وأسدل الستار على عقودٍ من الارتهان الجغرافي لطهران. ومع انهيار حلف الممانعة وتفكُّك أذرعه في لبنان والمنطقة، التقى الصدعان الإقليميان التاريخيان ولأوَّل مرة في صدع كوني واحد: مواجهة مباشرة ونهائية بين الإمبراطورية الأمريكية—بقيادة دونالد ترامب الذي عاد إلى البيت الأبيض حاملاً شعار “قرن أمريكي عظيم” يقوم على فرض السلام عبر القوة وتفكيك خطوط التهديد المباشرة—والجمهورية الإيرانية؛ حيث لم يعد هناك مجالٌ للوكلاء أو المناطق الرمادية.
لم تعد هذه المواجهة معزولة عن رقعة الشطرنج الدولية؛ إذ أصبحت إيران تُشكِّل الرأس الميداني لـ “حلف الضرورة الشرقي” مع روسيا والصين. بالنسبة لموسكو، تُعدُّ طهران حليفاً استراتيجيًّا ومزوِّداً حيويًّا بالسلاح في مواجهة الغرب، بينما تراها بكين شرياناً رئيسيًّا لطاقةٍ رخيصة وموطئ قدم لتقويض الهيمنة البحرية الأمريكية. إلا أن هذا المثلث ليس حلفاً أيديولوجيًّا بقدر ما هو توافق مصالح حذر؛ فالصين لا ترغب في إغلاق الممرَّات المائية الخليجية التي تعتمد عليها استثماراتها، وروسيا لا تستطيع توفير مظلَّة دفاعية كافية لحماية الأراضي الإيرانية من الترسانة الأمريكية.
في مواجهة هذا التعقيد الدولي، اعتمد “الاعتدال السني” مقاربةً بالغة الذكاء قائمةً على “التحوُّط المتقدِّم” وإدارة التوازنات بين واشنطن وبكين، متجنِّباً إعادة خطيئة أنور باشا في الانحياز الأعمى، أو اندفاعة عبد الناصر نحو الحروب المكشوفة. فدول الخليج العربي اكتفت بصدِّ الهجمات وحماية أمنها المائي دون الانجرار لحرب بالوكالة، وسوريا بقيادة أحمد الشرع اتَّبعت خطة النأي بالنفس وعدم التدخُّل المباشر في لبنان ضدَّ “حزب اللَّه”، بينما رفضت تركيا تقديم أراضيها كمقرات هجومٍ مباشر ضدَّ طهران، ودخلت باكستان على خطِّ الوساطة لمنع انفجار الجغرافيا الإسلامية.
غير أنَّ سياسة التهدئة والتحوُّط هذه وجدت نفسها أمام اختبارٍ حاسم، عندما اندفعت طهران عبر وكلائها نحو خيارٍ عالي المخاطر باستهداف المنشآت النفطية والبنية التحتية في المنطقة الشرقية السعودية؛ وهو الخطأ الاستراتيجي الأكبر الذي وضع السيادة والنهضة الاقتصادية أمام تهديدٍ مباشر. في هذا السيناريو، لم تعد سياسة الامتصاص خياراً متاحاً، بل فرضت صياغة معادلة ردع صلبة تنهي حالة الاستباحة. وهنا برزت نقطة التحوُّل الاستراتيجي: إذ انتقلت المملكة من موضع الصدِّ والتصدي إلى التدخُّل والردِّ المباشر، عبر تنسيقٍ استراتيجي وثيق ومباشر مع واشنطن، تجسَّد عمليًّا في توجيه ضرباتٍ مركَّزة لمواقع الحشد الشعبي بتاريخ 29 تموز؛ ممَّا أرسى خطًّا أحمر مفاده أنَّ استهداف العمق العربي والخليجي سيُقابل بردٍّ مشترك يقتلع مصدر التهديد من جذوره.
هذا التحوُّل المفصلي يضع الإقليم برمته أمام تساؤلات استراتيجية حتمية: هل يُشكِّل هذا الردُّ المباشر مجرَّد تحريكٍ تحذيري عابر لإرغام طهران على الانكفاء وتعديل سلوكها الإقليمي؟ أم أنَّه يمثِّل انتقالاً رسميًّا ونهائيًّا لـ “حلف الاعتدال السني” إلى الاصطفاف الكامل مع واشنطن، لتدشين معالم هذا “القرن الأمريكي العظيم” في المنطقة ولكن عبر “وكالةٍ حصرية” للتحالف السني المترابط؟
وإذا كان هذا التحوُّل هو خيار المرحلة، فهل سنشهد مع بداية هذه المعادلة حسماً نهائيًّا للوجود الحوثي في اليمن، وتحديداً لساعة تحرُّك أحمد الشرع في سوريا للقضاء على “حزب اللَّه” وإجهاض قوته المتبقِّية، لتفكيك الامتداد العسكري لطهران وإغلاق هذا الملفِّ على حدوده الغربيَّة إلى غير رجعة؟

شارك

مقالات ذات صلة