فكر

خبزٌ وجبنٌ.. وسياسة

يونيو 12, 2026

خبزٌ وجبنٌ.. وسياسة

كمال عيشة

قيل إنَّ الخوف يشيخ كالإنسان؛ يمرُّ بأطواره المحتومة، حتى إذا بَلَغَ منه الهرمُ مَبْلَغَه، استسلم لسكينة العدم. يتوجّه ملايين الناس يوميًّا إلى المخابز، يقفون في طابورٍ طويل، ينتظرون خبزهم بهدوءٍ مُثقلٍ بالهموم والأسئلة التي لا تنتهي. تبدأ حكايتهم من تلك الوقفة المُضنية عند شروق الشمس. حين يقف الجميع سواسيةً، لا يدور بينهم الكلام كثيراً؛ فقد تعلّموا أنّ الصمت أكثر أماناً من الحديث، وأنّ الكلمة المنطوقة في الصف قد تُكلّف أكثر ممّا يُكلّف الرغيف نفسه؛ ذلك الرغيف المنتظر، الذي غدا وثيقةَ أمانٍ وصكَّ البقاء المشروط للاستمرار على قيد الحياة.

عندما يطول الوقوف في تلك الطوابير المتعرجة كأيام أصحابها، يتسلل الجُبن الخفي إلى النفوس، لينهش الإرادة والطموح بلا هوادة. ويحضر هنا قول الشاعر الدمشقي نزار قباني في قصيدته (تقرير سري جداً من بلاد قمعستان)، وهو يصف حال تلك الشعوب:

هل تعرفون من أنا؟

مواطنٌ يسكن في دولة قمعستان

مواطن…

يحلم في يومٍ من الأيام أن يصبح في مرتبة الحيوان

مواطنٌ يخاف أن يجلس في المقهى..  لكي

لا تطلع الدّولة من غياهب الفنجان

الخوف في أصله غريزةٌ بشريّةٌ لحماية الذات، لكن الأخطر هو عندما يتجاوز كونه شعوراً عابراً ليتحوّل إلى مؤسّسةٍ قائمةٍ بذاتها، وثقافةٍ مجتمعيةٍ سائدة. في هذه المرحلة، يعيد المجتمع تعريف الهزيمة النّفسيّة على أنّها “ذكاءٌ سياسي”، ويصبح الحياد الأعمى والصّمت عن الحقِّ في القاموس الشعبي “حكمةً ومداراةً”، وتتردد في جنباته الوصايا الشهيرة التي تحث على السّير بمحاذاة الجدران والابتعاد عن مشاكل السّياسة وصخبها.

هذا الخوف المؤسّسي يحوّل المجتمع إلى كتلةٍ من الكائنات المنعزلة؛ يخشى فيها الجار جاره، ويصبح الشك هو الرابط الاجتماعي الوحيد. وكما يقول الفيلسوف توماس هوبز، في توجيه نقدٍ مُبطَّن للعقد الاجتماعي القائم على الرعب: إنّ الخوف من الموت العنيف هو الذي يدفع البشر إلى التّنازل عن حرياتهم لصالح سلطةٍ مطلقةٍ تحميهم.

لكن هوبز كان يتحدّث عن عقدٍ اجتماعيٍّ يُبرم مرّةً واحدةً في لحظةٍ تأسيسية، بينما ما يحدث هنا هو عقدٌ يوميٌّ متجدّد، يوقعه المواطن كلّ صباح أمام باب المخبز. لكن المفارقة هنا أنّ المجتمع لا يتنازل عن حريته مقابل الأمان، إنّما يتنازل عنها مقابل السماح له بالبقاء؛ وهنا يصبح الصّمت هو الثّمن الحقيقي المدفوع سلفاً للحصول على ذلك الرغيف.

في هندسة المجتمعات، تدرك مراكز القوة جيداً أنَّ إشغال الإنسان بملء بطنه الخاوي هو أقصر الطرق لإفراغ رأسه من أيّ تطلع سياسي أو حقوقي. ومن البديهي أنّه عندما تتحوّل لقمة العيش من حقٍّ إلى مكرمةٍ يُسعى إليها بشق الأنفس، يتقلص الأفق الإنساني؛ وتتحوّل الأحلام الكبرى بالحرية، والعدالة، ودولة القانون إلى ترفٍ لا يملكه من يطارده شبح الجوع عند المساء.

هذا التكتيك هو تجسيدٌ لما يصفه أرسطو في تحليله لبنية الاستبداد، حين أشار إلى أن إفقار المواطنين وإشغالهم بالبحث عن قوتهم اليومي هو وسيلةٌ كلاسيكيةٌ لمنعهم من التفكير في الشأن العام أو التمرد. عندما يستنزف الرغيف طاقة النهار كاملةً، لا يتبقى للمواطن وقتٌ للغضب، ولا طاقةٌ للمساءلة. تصبح رحلة البحث عن الخبز أشبه بجهاز تخديرٍ موضعيٍّ للمجتمع، يُدار بعنايةٍ لتبقى الشعوب تحت وطأة الحاجة البيولوجية المستمرة. ويُقاس الاستقرار بالحفاظ على هذا التوازن الحرج: ألّا يشبع الناس تماماً فيستفيقوا، وألّا يجوعوا تماماً فينفجروا.

أضحت السياسة أشبه بعملية مقايضةٍ بائسةٍ ومستمرة، تفرض على الإنسان خياراً مقيتاً: “أطعم أطفالك خبزاً، واصنع من خوفك درعاً يحميهم”. السياسة هنا تعي تماماً أنّ الخبز والجُبن، أيّ الخوف، هما وجهان لعملةٍ واحدة؛ فالأول يُستخدم كجزرة، والثاني يُلوَّح به كعصا، والهدف النهائي هو صناعة “المواطن الطيّع”، الهيّن الليّن، الذي يرى في حقوقه الأساسية جميلاً يجب أن يشكر السّاسة عليه، لا حقاً يُطالب به. إلا أنّ هذه السياسة، مهما بلغت براعتها في إدارة الجوع وترويض الخوف، تقوم على معادلةٍ شديدة الهشاشة والضعف؛ فالاستقرار المبني على بطونٍ جائعةٍ ونفوسٍ مرعوبةٍ هو استقرارٌ زائفٌ وزائل، يُشبه السكون الذي يسبق العاصفة.

لم تعد الجغرافيا سجناً للوعي، ولم يعد التجهيل سلاحاً فعَّالاً كما كان. إنّ أدوات الإخضاع التقليدية تتآكل بفعل عاملين متشابكين لا تملك السلطات إزاءهما حلاً ناجعاً: الزمن والوعي الرقمي. فقد كسر الفضاء الإلكتروني احتكار السرديّة الرسميّة للطّغاة، وأصبح الشاب الواقف في طابور الخبز يحمل في جيبه مقارنةً صارخةً بين واقعه وواقع آخرين، بين ما يُقال له وما يراه بعينيه. حين ترتفع أسعار الخبز في بلدٍ ما، يرتفع معها سقف توقعات الناس من السلطة وحساباتهم معها. إنّ الجيل الذي نشأ على الفضاء المفتوح لا يقبل بسهولة تفسيرات الشحّ وأعذار العجز؛ لأنّه يعرف أين تذهب الثروات وكيف تُهدر، ويعرف أسماء من يأكلون بدلاً عنه.

حين يتلاقى الوعي مع القهر في اللحظة نفسها، لا تنفع عندئذٍ لا الجزرة ولا العصا. دائماً ما توجد لحظةٌ حتميةٌ تلتقي فيها الخطوط، وتُسمّى نقطة الانكسار؛ تتساوى فيها تكلفة الصمت مع تكلفة الكلام، ويتشكّل وعيٌ جديد؛ بسيطٌ في لغته، خطيرٌ في نتائجه، ينقلب فيه الخوف إلى نقيضه، وينفجر الغضب ليسحق السلاسل والأغلال التي كانت على أصحابه، إلى أن يعود الجُبن ليصبح مجرّد طعامٍ على مائدة الإفطار، لا قيداً على قلوب الناس. وما بدا زمناً كأنّه قدرٌ دائم، سيغدو في النهاية مجرّد مرحلةٍ في تاريخ شعبٍ أقدم من جلّاديه، وأبقى من أنظمته.

شارك

مقالات ذات صلة