مجتمع

في درعا.. بيت للإيجار أم مشروع استثماري عابر للقارات

يونيو 11, 2026

في درعا.. بيت للإيجار أم مشروع استثماري عابر للقارات

هدى الحراكي

لم يعد امتلاك منزل في درعا مجرّد حلمٍ صعب المنال، بل تحوّل إلى مشروعٍ يبدو أكبر من قدرة معظم الشّباب والعائلات، أمّا الزّواج الذي كان يوماً بدايةً طبيعيّة لتأسيس أسرة، فأصبح بالنّسبة للكثيرين قراراً يحتاج إلى دراسة جدوى اقتصاديّة أكثر ممّا يحتاج إلى ترتيباتٍ اجتماعيّة.

إذا كنت شاباً في مقتبل العمر وتفكّر بالزواج، فقد ينصحك الواقع بأن تؤجّل البحث عن منزل، أو ربّما تبحث أولاً عن معجزةٍ مالية فالأسعار الحالية لا تتناسب بأيّ شكلٍ مع مستوى الدّخل، حتى بات كثيرون يردّدون ساخرين أنّ شراء منزلٍ في درعا يحتاج إلى تمويلٍ من مؤسّسةٍ دولية، لا إلى سنواتٍ من العمل والادخار.

في المقابل يقف الموظّف أو العامل الذي لا يتجاوز دخله 200 دولار شهرياً أمام معادلة تبدو مستحيلة فالسّوق العقارية تتعامل معه وكأنّه يتقاضى راتباً أوروبيًّا، بينما حياته اليومية تخبره أنّه بالكاد يستطيع تغطية احتياجات أسرته الأساسية.

وتزداد المفارقة حين ننظر إلى أسعار المنازل ففي بعض مناطق درعا يبدأ سعر المنزل المتواضع من نحو 35 ألف دولار، وقد يصل بسهولة إلى 90 ألف دولار أو أكثر. أرقام تجعل المرء يعتقد أنّ المدينة تعيش طفرةً اقتصاديّة استثنائيّة، أو أنّها أصبحت وجهة استثماريّة عالميّة، بينما الواقع مختلف تماماً.

وبحسبةٍ بسيطة، فإنّ موظفاً براتب 200 دولار شهرياً يحتاج إلى أكثر من 14 عاماً لشراء أرخص منزل في السوق إذا ادّخر كامل دخله، وهو افتراضٌ خياليٌّ لأنّه يعني أن يتوقّف عن الأكل والشرب والعلاج والتنقُّل ودفع أيّ التزامٍ مالي، أمّا إذا كان طموحه منزلاً متوسط السعر، فقد يحتاج إلى ما يقارب أربعة عقودٍ من الادّخار، على أملٍ ألا ترتفع الأسعار خلال تلك السنوات، وهو رهانٌ لا يبدو واقعيًّا في ظلّ الارتفاعات المتلاحقة، لكن المشكلة لا تقف عند حدود شراء المنازل، فهناك شريحة أكبر تعاني من سوق الإيجارات، وهي الشرّيحة التي تضم آلاف الأسر والموظّفين والطّلاب والشّباب المقبلين على الزّواج، فالإيجارات في درعا تشهد ارتفاعاً مستمراً، حتى أصبح العثور على منزلٍ بإيجارٍ يناسب الدّخل مهمة شاقة، والأسوأ أنّ كثيراً من المالكين يربطون قيمة الإيجار بالدولار بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، بينما تبقى رواتب

معظم السّكان ثابتة بالعملة المحلية، وهكذا، يصبح المستأجر في سباقٍ خاسر منذ البداية فكلما ارتفع سعر الصرف ارتفع الإيجار، أمّا دخله فيبقى كما هو

وهذا الواقع لا يؤثّر على المستأجر وحده، بل يمتدُّ أثره إلى المجتمع بأكمله.

الشّاب الذي يريد الزّواج يؤجّل مشروعه لأنّه لا يستطيع دفع إيجار منزل وتأمين مستلزمات الحياة في الوقت نفسه، والموظّف يضطر إلى استقطاع جزءٍ كبير من راتبه للسكن، ما يترك القليل جداً للطّعام والتّعليم والرّعاية الصّحية، أمّا الأسر التي لديها أكثر من طفل، فتجد نفسها مضطرة للتخلّي عن كثيرٍ من احتياجاتها الأساسية حتى تحافظ على سقفٍ يؤويها.

بل إنّ بعض العائلات اضطرت إلى العودة للسّكن مع الأقارب، ليس رغبة في تعزيز الروابط الاجتماعية، بل هرباً من تكاليف الإيجارات، وأخرى انتقلت إلى مناطق أبعد وأقلّ خدمات بحثاً عن أسعار أقلّ، ما يعني أعباء إضافيّة تتعلّق بالمواصلات والعمل والتعليم.

ولعلّ أكثر ما يثير الاستغراب أنّ بعض الإعلانات العقارية تصف المنازل بأنّها “اقتصادية”. لكن عندما يطالع الباحث عن السّكن قيمة الإيجار، يكتشف أنّه قد يستهلك نصف راتبه أو أكثر، فيتساءل تلقائيًّا : اقتصادي بالنسبة لمن؟ الموظف العادي لم يعد قادراً على مواكبة هذه الأسعار، والعامل اليومي يواجه تحدياً أكبر، بينما أصحاب الدّخل المحدود يجدون أنفسهم خارج حسابات السُّوق بالكامل.

خبراء الاقتصاد يؤكّدون أنّ ارتفاع الإيجارات لا ينعكس على السّكن فقط، بل يرفع تكاليف الحياة كلّها، فكلّما ارتفعت أجرة المنزل، انخفضت قدرة الأسرة على الإنفاق على الغذاء والملبس والتّعليم والعلاج، ما يؤدي إلى تراجع مستوى المعيشة بشكلٍ عام.

أمّا النتيجة الاجتماعية، فهي أكثر خطورة من الأرقام، فتأخُّر سنّ الزّواج، وتراجع معدلات تكوين الأسر الجديدة، وزيادة الضغوط النفسية، واتّساع دائرة الهجرة الداخليّة والخارجيّة، كلّها ظواهر ترتبط بشكلٍ مباشر بأزمة السكن.

وفي النهاية، لا يبدو السؤال الحقيقي في درعا: “كم يبلغ سعر المنزل؟” بل أصبح: كيف يمكن لشابٍ أو أسرة متوسطة الدّخل أن تؤمّن حقّها الطبيعي في السكن؟

فحين يتحوّل امتلاك منزل إلى حُلمٍ بعيد، ويُصبح استئجار منزل عبئاً يلتهم معظم الراتب، فإن أزمة العقارات لم تعد قضيّة اقتصادية فحسب، بل تحوّلت إلى قضيّةٍ اجتماعيّة تمسّ مستقبل جيلٍ كامل، جيل لا يطلب الرفاهية، بل يبحث فقط عن بيتٍ صغير يستطيع أن يبدأ فيه حياته.

شارك

مقالات ذات صلة