Blog
أسماء البري
لم يعد شعور الضياع حالة نادرة بين الشباب، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية عند كثيرٍ من الشبان والشابات. ورغم اختلاف الظروف بين شخصٍ وآخر، إلا أنّ الشعور نفسه يتكرّر بشكلٍ واضح؛ خوف مستمر، تفكير زائد، تعب نفسي، وقلق من المستقبل حتى عند وجود فرص جيدة أو أحلام قريبة من التحقق.
جيل اليوم يعيش ضغطًا كبيرًا لا يظهر دائمًا بشكلٍ مباشر. المطلوب من الشاب أن ينجح بسرعة، وأن يعرف ماذا يريد مبكرًا، وأن يبني مستقبلًا مستقرًا وسط ظروف متقلبة اقتصاديًا ونفسيًا واجتماعيًا. وفي المقابل، يشعر كثيرون أنّهم تائهون بين ما يريدونه فعلًا وما يُطلب منهم باستمرار.
الخوف لم يعد متعلقًا بالفشل فقط، بل أصبح مرتبطًا حتى بالأشياء الجميلة. هناك شباب يخافون من الوصول إلى أحلامهم لأنّهم يشعرون أنّ الحفاظ عليها أصعب من تحقيقها. وآخرون يعيشون قلقًا دائمًا من أن تضيع منهم الفرص أو أن يتخذوا قرارات تغيّر حياتهم بطريقةٍ خاطئة. لذلك يتحوّل التفكير بالمستقبل إلى عبءٍ يومي بدل أن يكون دافعًا للحماس.
وسائل التواصل الاجتماعي زادت هذا الشعور بشكلٍ واضح. المقارنات لم تعد تتوقّف، وكلّ شخص يرى يوميًا عشرات الصور لحياة تبدو مثالية؛ نجاح سريع، أموال، سفر، علاقات مستقرة، وأشخاص يبدون وكأنّهم يملكون خطة واضحة للحياة. ومع الوقت يبدأ الشاب بمراقبة نفسه بطريقةٍ قاسية، ويشعر أنّه متأخر عن الجميع حتى لو كان يحاول فعل أفضل ما لديه.
الأمر لا يتعلّق فقط بالإنجازات الكبيرة، بل بالتفاصيل الصغيرة أيضًا. كثير من الشباب يعيشون حالة استنزاف بسبب التفكير الزائد بكلّ شيء؛ طريقة الكلام، ردود الأفعال، القرارات اليومية، وحتى نظرة الآخرين لهم. أبسط المواقف قد تتحوّل إلى ساعاتٍ طويلة من التحليل والتوتر. وهذا ما يجعل الراحة النفسية أمرًا صعبًا بالنسبة لكثيرين.
المشكلة الأكبر أنّ معظم الشباب يخفون هذا التعب. يظهرون بصورةٍ طبيعية أمام الناس، يدرسون ويعملون ويضحكون، لكن داخلهم مليء بالأسئلة والضغط والخوف. البعض يشعر أنّه فقد الشغف، والبعض الآخر لا يعرف أصلًا ماذا يريد من حياته، بينما يحاول آخرون فقط الاستمرار دون الانهيار.
حتى العلاقات الإنسانية أصبحت مرهقة عند كثيرٍ من الشباب. هناك خوف دائم من الخذلان، من عدم التقدير، ومن خسارة الأشخاص. لذلك يعيش البعض حالة من الحذر العاطفي المستمر، وكأنّ الطمأنينة أصبحت شيئًا صعب الوصول إليه. ومع كثرة الضغوط، يتحوّل التعب النفسي إلى صمتٍ طويل لا يلاحظه أحد بسهولة.
ورغم كلّ هذا، لا يمكن وصف هذا الجيل بالضعيف كما يعتقد البعض. الحقيقة أنّ الشباب اليوم يواجهون ضغوطًا متراكمة من كلّ الجهات، ويحاولون في الوقت نفسه فهم أنفسهم وبناء مستقبلهم والحفاظ على توازنهم النفسي. لهذا يبدو التعب واضحًا عليهم أكثر من أيّ وقتٍ سابق.
شعور الضياع لا يعني دائمًا أنّ الإنسان فاشل أو بلا هدف، بل قد يكون نتيجة طبيعية لكمية الضغط والخوف والتوقعات التي يعيشها يوميًّا. وربما أكثر ما يحتاجه الشباب اليوم ليس النصائح الكثيرة، بل مساحة يشعرون فيها بالأمان، دون مقارنات أو أحكام أو مطالب مستمرة بإثبات أنفسهم طوال الوقت.
لأنّ الحقيقة التي لا يتحدّث عنها كثيرون، أنّ عددًا كبيرًا من الشباب لا يعيشون كما يبدون أمام الناس. خلف الصور العادية والضحكات السريعة، هناك تعب حقيقي، وخوف حقيقي، ومحاولات مستمرة للتماسك وسط عالم سريع لا يمنحهم وقتًا كافيًا لالتقاط أنفاسهم.

