Blog

إلى أين يأخذنا التوظيف السياسي للعشيرة؟

مايو 1, 2026

إلى أين يأخذنا التوظيف السياسي للعشيرة؟

ظهرت العشيرة السورية كمعطى اجتماعي وسياسي بارز في المشهد العام السوري، مع تمدد داعش في مناطق شرق سوريا خلال العام 2014 بالذات بعد مجزرة الشعيطات مباشرة التي حصلت في قرى غرانيج وأبو حمام والكشكية بريف ديرالزور الشرقي، والتي كانت من أوائل الصدامات بين العشيرة وداعش، وبعد هذا الحدث أصبحت الحالة العشائرية ظاهرةً وبارزةً بشدة بين جمهور الثورة السورية وفي الجهة المقابلة أيّ النظام السوري.

لماذا بعد هذه المجازر تصاعد الاهتمام بالعشيرة في سوريا سياسياً وإعلامياً؟ جانب منه كان يعود لتفاؤل كبير من قبل فاعلين سياسيين بقدرة العشيرة على مواجهة داعش عسكرياً، وجزء آخر لانهيار حماية الدولة السورية للمواطن في سنوات الثورة ممّا جعل الارتداد إلى البنى والولاءات الأولية السابقة على الدولة كالعشيرة والطائفة أمراً طبيعياً.

انطلق المد العشائري من هذه المجزرة للتأكيد على الغبن التاريخي للمنطقة الشرقية، والذي أكده مروجو هذا الخطاب من خلال غياب التغطية الإعلامية الكافية واللائقة بهذه المجزرة، ردد هذا الخطاب نشطاء إعلاميون محسوبون على الثورة، في محاولةٍ لكسب جمهور عن طريق توظيف هذا الحدث لتأكيد المظلومية، ووقع معظم هؤلاء الناشطين في براثن التحيزات العشائرية ودخلوا في صراعاتٍ ضيقة بلا فائدة وبدون جدوى، بشكلٍ أضعفَ فاعليّة النشاط الثوري في دير الزور ووضعه في دائرة الشك والارتياب بالنسبة لباقي السوريين، والحقيقة أنّ الناشطين المناهضين للعشائرية بشكلها الفج كانوا قلة في طاحونة من العشائرية التي لم تكن تبقي على شيءٍ ذي قيمة من نشاطهم.

 بلغ التحوُّل المجتمعي نحو العشائرية مرحلة الأوج بعد سقوط نظام الأسد، ليصبح هذا التحوُّل السريع أشبه بالأحجية، لمن يراقب الشأن العام في كيفية تحوُّل مجتمعات إلى النكوص نحو العشائرية في الوقت الذي تقوم فيه بثورة ضد نظام تعتبر تقدمية في مطالبها بالحرية والمساواة وتكافئ الفرص، كان غريباً وملفتاً للنظر أن يترافق سقوط النظام مع انتعاش متصاعد للإرث العشائري على وسائل التواصل وفي الواقع اليومي المعاش.

بالعودة للوراء إلى السنوات اللاحقة لمجزرة الشعيطات مباشرة، التجأت الولايات المتحدة الأمريكية لإيجاد قوى تواجه تنظيم داعش على الأرض مدفوعة بأمل إيجاد نسخة سورية من الصحوات العراقية لمواجهة تنظيم داعش، كلّ ذلك فتح شهية أطراف آخرين، لذلك شارك في هذا الاستثمار في العشيرة كلّ من النظام وإيران وقسد، ولكن كلّ التجارب والمحاولات لإنشاء أجسام عسكرية عشائرية لم تفضِ إلى نتائج ذات أهمية أو أثرٍ عسكري هام، واقتصر تأثيرها على الإعلام والتلويح بورقة العشائر كورقة ضغط لا أكثر، ثمّ جرى احتواء هذه التجربة في مناطق قسد في شرق سوريا والتي أعادت تشكيل المنظومة العشائرية لتقبل بالوضع القائم، وكذلك في الشمال السوري حيث برزت العشيرة تحت ضغط تراجع قوى الثورة الأكثر صلابة وانسحاب ناشطيها وتفتت كتائب الجيش الحر، لتقدم القوى العشائرية نفسها ممثلاً للحراك الثوري، فيما عمل نظام الأسد على اختراق العشائر بالشراكة مع إيران في مناطق سيطرته في ديرالزور آنذاك لتطويق الوجود الأمريكي في شرق سوريا، وصنع هالة كبيرة وغير حقيقية عن قوة العشائر العربية في المنطقة ومركزية قرارها، واستثمر سياسياً وقد ظهر خواء هذه الحالة عند أول صدام مع قوات قسد، وأنّ العشيرة بالنسبة للنظام هي ورقة للتلويح وليست للاستخدام.

لابد أنّ نشير أنّ جزءاً من هذا الانغلاق على الفهم يعود إلى التغاضي المقصود إعلامياً للتطورات الهامة التي دخلت على العشيرة في شرق سوريا، إضافة إلى التوظيف السياسي للعشيرة والذي كان يدفع في كثيرٍ من الأحيان إلى تضخيم دورها ووجودها و قوتها، العشيرة أصابها ما أصاب الجميع من العولمة اقتصادياً ومعاشياً لم يعد هناك شيوخ عشائر مركزيون أو متحكمون بالموارد الاقتصادية، والذي بالضرورة يجعل قرار العشيرة بيده، ابن العشيرة الآن هو سوري ولديه “إرث عشائري” لا مقومات حياة عشائرية، فهذه المقومات فقدها منذ عشرات السنوات بحكم الحياة المتغيرة، هو الآن مواطن سوري يشعر بوطأة العيش وهو مغترب وهو طالب في الجامعة وهو موظف، كل هذا التنوع يتنافى مع نمط الحياة الأحادي الذي كانت تعيشه العشيرة قبل 100 عام، حتى لو حاول البعض من أبنائها العودة بالزمن القهقرى في محاولاتٍ ساذجة وطفولية، وجزء من هذا الإرث هو احترام الشيخ شكلياً حيث لم يعد هناك قوة تلزم العشيرة بسلطته، وكلّ ما يدور حالياً حول شيوخ العشائر هو تضخيم مبالغ فيه إعلامياً وتوظيفات سياسية للحالة.

لوهلةٍ يبدو للمراقب أنّ منطقة شرق سوريا حالياً متروكة لإرثها العشائري، كشيءٍ من التعويض من جانب السلطة السورية الحالية، تعويض لانعدام القدرة على تنمية المنطقة وإنعاشها، والتي تحتاج كما كلّ مناطق سوريا لإمكانياتٍ هائلة وسنوات طويلة، إعادة وعي أبناء الشرق السوري بهويتهم القبلية وتضخيمها، كان يجري على قدمٍ وساق منذ سنةٍ ونصف، سواء كان رِدة طبيعية إلى حياة القبيلة والولاءات البدائية، بعد تشظي صورة الدولة السورية في تفكير السوريين، بعد أن تعرضت هذه الصورة لنكباتٍ كبيرة مع النظام الأسد وأثناء الثورة عليه، حيث فقد الإنسان السوري إحساسه بالحماية والأمان وسيادة القانون، أو أنّها بالفعل تعويض عن تنمية لمناطق الريف لا تبدو قريبة في الوقت الحالي، فلا يسع السلطة إلا محاولة استيعاب المجتمعات الريفية عبر تسهيل ظهور الميراث القبلي فيها، كون أنّ التيار العشائري مضمون ومجرب من قبل وهو الأقوى في الواقع على كل حال، مع تراجع التعليم والزراعة في المناطق النائية في سوريا.

لا مراء أنّ الاستثمار السياسي في العشيرة في شرق سوريا قد خلق مليشيات ومراكز قرار فيها إلا أنّ أداء هذه المليشيات وقوتها كانا موضع شكٍ كبير في الواقع، وكانت ورقة ضغط سياسي وإعلامي، ثمّ إنّ هذا التوظيف خلق طبقة طفيلية من الوسطاء ما بين الأطراف السياسية والعشيرة، يقدّمون أنفسهم لهذه الأطراف بطريقة توحي بنفوذٍ يتنافى مع الواقع المعيشي الرث لأهالي المنطقة الشرقية، الذين ضجوا بالمطالبات الخدمية كما أهالي المناطق الأخرى من سوريا، صورة العشيرة ذات السلطة والنفوذ والاكتفاء الاقتصادي وحتى الثروة والتي كان تتمثّل بأذهان سوريي المناطق الغربية عن أهالي المنطقة الشرقية، أثبتت بطلانها وهشاشتها، بحيث أثبت ضغط الواقع الاقتصادي أنّهم أيّ أبناء العشائر أفراد توجههم الحياة اليومية بمشاكلها وهمومها المعيشية لا كتلاً اجتماعية تستطيع حمل مشاريع سياسية أكبر من حجمها وقدرتها، كما يدأب مروجو هذا السردية من أبناء العشائر الذين تلبي هذه السردية مكانتهم ومصالحهم الضيقة.

ربما حان الوقت لنقول نحن أبناء المنطقة الشرقية إلى متى يستمر خطف تمثيلنا كمواطنين سوريين لصالح تمثيل العشيرة سياسياً، لقد قضى نشطاء الثورة سنوات وهم يحاولون أن يجدوا صيغة لإدخال العشيرة في الثورة، بما ينسجم مع مبادئها وروحها إلا أن التجربة والبرهان قائمان على أنّ لا شيءٍ يجمع بين الاثنين، وأنّ الرقص مع الثعابين هو أسهل من الرقص على لبت لبت وبعث النزعة العشائرية وربما علينا أن نقف مع أنفسنا ومع ثورتنا مرّة واحدة على الأقل، وليكن الرهان على قيمها في المحافظة على النسيج الاجتماعي لا العكس أيّ اللعب بالنسيج الاجتماعي لحماية الثورة.

شارك

مقالات ذات صلة