Blog

رباعية دوما: رزان زيتونة… سيرة ضمير اختفى بين استبدادين

مايو 14, 2026

رباعية دوما: رزان زيتونة… سيرة ضمير اختفى بين استبدادين

علي البرغوث
في التاسع من كانون الأول 2013، اقتحم مسلحون مقر “مركز توثيق الانتهاكات” في مدينة دوما بالغوطة الشرقية. اقتادوا أربعة أشخاص: المحامية والناشطة الحقوقية رزان زيتونة، زوجها وائل حمادة، والناشطين سميرة الخليل وناظم حمادي. منذ تلك الليلة، لم يظهر لهم أثر.
 
اختفاؤهم لم يكن حادثة عابرة في بلدٍ امتلأ بملفات المفقودين، بل شكّل لحظةً فاصلة في مسار الثورة السورية. فزيتونة لم تكن مجرّد ناشطةٍ سياسية، بل كانت واحدة من أبرز الأصوات الحقوقية المستقلة التي وثقت انتهاكات جميع الأطراف، بلا استثناء.
 
وبعد أكثر من 11 عاماً، ومع سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، عاد اسمها إلى الواجهة. خرج العشرات إلى شوارع دوما مطلع 2025، رافعين صور المخطوفين الأربعة، مطالبين بكشف الحقيقة، وموجّهين الاتهام صراحة إلى “جيش الإسلام”، الفصيل الذي كان يسيطر على المدينة وقت الاختطاف.
 
من الدفاع عن المعتقلين إلى تأسيس أرشيف الثورة
 
وُلدت رزان زيتونة في 29 نيسان 1977. تخرجت من كلية الحقوق في جامعة دمشق عام 1999، وبدأت مبكراً مسيرتها في الدفاع عن السجناء السياسيين أمام محاكم أمن الدولة. في عام 2001، كانت من مؤسسي “جمعية حقوق الإنسان في سوريا”.
 
عام 2005، أطلقت “شبكة معلومات حقوق الإنسان السورية”، في خطوةٍ اعتبرت تحدياً مباشراً لجهاز أمني لا يسمح بأيّ رقابة مستقلة. منعت من السفر منذ 2002، وتعرضت لمضايقات متكررة، لكنّها بقيت تعمل من الداخل.
 
مع اندلاع الاحتجاجات في آذار 2011، ساهمت في تأسيس “لجان التنسيق المحلية”، إحدى أبرز شبكات التنظيم المدني للحراك السلمي. لاحقاً أسست “مركز توثيق الانتهاكات” (VDC)، الذي أصبح مرجعاً أساسياً لوسائل الإعلام والمنظمات الدولية في توثيق الضحايا والانتهاكات.
 
لم تكن خطاباتها سياسية بقدر ما كانت قانونية وأخلاقية. كانت تؤمن بأنّ “حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة”، وأنّ الجرائم لا تصبح مشروعة لأن مرتكبها يدعي الانتماء إلى الثورة.
 
 
بين المجد والخطر
 
في عام 2011، وبعد تغطيتها لمجزرة المسجد العمري في درعا، اتهمها الإعلام الرسمي السوري بالعمالة. داهمت قوات الأمن منزلها واعتقلت زوجها وائل حمادة للضغط عليها لتسليم نفسها. اختفت عن الأنظار وانتقلت بين أماكن آمنة.
 
في تشرين الأول 2011، فازت بجائزة “آنا بوليتكوفسكايا”، ثمّ بجائزة “ساخاروف” لحرية الفكر من البرلمان الأوروبي، إلى جانب ناشطين عرب آخرين. وفي 2013 نالت جائزة “المرأة الدولية الشجاعة” من وزارة الخارجية الأمريكية، لكن الجوائز الدولية لم توفر لها حماية حقيقية داخل سوريا، بل زادت من حساسيتها لدى خصومها.
 
 
شاهدة على الكيماوي
 
في آب 2013، كانت رزان في الغوطة الشرقية عندما وقع الهجوم الكيميائي الذي أودى بحياة مئات المدنيين. كتب مركزها تقارير مفصلة عن الضحايا، وأسهم في نقل الرواية إلى العالم.
 
غير أنّ نشاطها لم يقتصر على توثيق جرائم النظام. فقد سجل المركز أيضاً انتهاكات لفصائل مسلحة في مناطق سيطرتها.
 
 
ليلة الاختفاء
 
عند نهاية 2013، كانت دومًا تحت سيطرة “جيش الإسلام” بقيادة زهران علوش، وهو الفصيل الأقوى في الغوطة الشرقية آنذاك، في 9 كانون الأول، اقتحم مسلحون مقر مركز التوثيق. لم تعلن أيّ جهةٍ مسؤوليتها رسمياً، ولم يعثر على أثر للمخطوفين الأربعة منذ ذلك الحين.
 
منذ الساعات الأولى، وجّه ناشطون وأصدقاء الاتّهام إلى “جيش الإسلام”، استناداً إلى:
سيطرته الأمنية الكاملة على المنطقة
 تهديدات سابقة تلقتها رزان
تضييق متزايد على عملها الحقوقي
الفصيل نفى مراراً تورطه، وصرّح أحد مسؤوليه عام 2018 أنّهم “جلبوها إلى دوما لحمايتها”. لكن لم تقدّم أيّ رواية موثّقة تفسر اختفاءها داخل منطقة مغلقة أمنياً.
 
روايات أخرى أشارت إلى احتمال تورط النظام السوري أو مجموعات متشددة، غير أنّ غياب الأدلة أبقى القضية مفتوحة.
 
 
بعد سقوط النظام… عودة السؤال
 
في كانون الأول 2024، سقط نظام الأسد بعد 13 عاماً من الحرب. أعاد ذلك فتح ملفات المختفين قسرياً، وفي مقدمتهم “رباعية دوما”.
 
في كانون الثاني 2025، وقف ياسين الحاج صالح، زوج سميرة الخليل، أمام المبنى الذي اختطفت منه زوجته، وقال: “الموتى يُحدون، أما المختفون فلا يُسمح لهم بالعيش ولا بالحداد. لا يمكن أن تلتئم سوريا دون الحقيقة”.
 
كما أكدت عائلات أخرى أن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، وأنها يجب أن تشمل كل الجرائم، سواء ارتكبها النظام أو فصائل المعارضة. حتى اليوم، لم يصدر أي تحقيق قضائي مستقل يكشف مصير الأربعة.
 
 
إرث يتجاوز الغياب
 
رزان زيتونة تمثّل، بالنسبة لكثيرين، الوجه المدني للثورة السورية: مشروع دولة قانون، ومجتمع مدني، ومحاسبة بلا انتقام، هي لم تحمل السلاح، ولم تنخرط في صراعٍ فصائلي، لكنّها دفعت ثمناً باهظاً لتمسّكها بفكرة أنّ الكرامة لا تتجزأ.
 
في رسالتها عند تسلم جائزة آنا بوليتكوفسكايا، كتبت: “نحن مستمرون… حتى تسود الحرية والعدالة”.
 
اليوم، وبعد اختفائها لأكثر من عقد، يبقى سؤالها مفتوحاً في قلب التجربة السورية: هل يمكن بناء مستقبل بلا كشف مصير المفقودين؟
 
قضية رزان زيتونة لم تعد فقط قضية أربعة أشخاص اختفوا في دوما، بل تحوّلت إلى معيار أخلاقي لأيّ حديثٍ عن العدالة الانتقالية في سوريا.
شارك

مقالات ذات صلة