آراء
لم يكن عام 656 هـ مجرّد تاريخ عابر في سجلات التاريخ الإسلامي السياسي، بل كان لحظة كبرى فاصلة شهدت النهاية المأساوية للعصر الذهبي للحضارة الإسلامية بسقوط عاصمة الخلافة العباسية “بغداد” على يد الجحافل المغولية الجرارة بقيادة هولاكو خان بن تولوي بن جنكيز خان، فقد بدأت فصول المأساة عندما ضربت قوات التتار حصاراً خانقاً ومحكماً حول أسوار المدينة الأبية بغداد التي كانت تُعاني أصلاً من ترهل سياسي وعسكري واقتصادي شديد، ورغم التحذيرات الشديدة والرسائل التهديدية المتتالية التي أرسلها هولاكو إلى الخليفة المستعصم بالله، إلا أنّ الأخير واجه الموقف الصعب بتردد واضحٍ لكلّ من يقرأ المشهد، بوجود غياب تام للرؤية الاستراتيجية لديه، واكتفاء منه بالأمجاد الماضية. فانتهى هذا الحصار العنيف باقتحام المغول للمدينة، حيث حصلت أعمال مأساوية تشمل القتل والنهب والوحشية لعدة أسابيع متواصلة، وأُعدم الخليفة العباسي بطريقةٍ مهينة بعد تعذيبه، وجرى تدمير “بيت الحكمة” حيث أُلقيت عشرات الآلاف من المجلدات والكتب النادرة في نهر دجلة حتى قيل إنّ لون المياه فيها تحوّل إلى الأسود من مداد المخطوطات المقذوفة، وأحياناً اللون الأحمر ينتشر بالمساة من دماء الضحايا، لتطوى بذلك صفحة مأساوية الخلافة العباسية التي دامت قروناً طوالاً.
وعند إعادة البحث والتنقيب عن الأسباب الخفية لذلك السقوط المروّع، نجد أنّ البحوث التاريخية والأكاديمية الحديثة تتجاوز الروايات التقليدية السطحية التي تختزل هذا السقوط المروّع في “التفوُّق العسكري العددي للمغول”، لتغوص بعمقٍ في البنية الداخلية التحتية للدولة العباسية التي كانت تعيش حالة من “الانتحار الذاتي”، فتشير الدراسات الأكاديمية الحديثة إلى أنّ بغداد كانت ممزقة من الداخل بسبب الصراعات الطائفية والمذهبية المحتدمة التي استنزفت الجبهة الداخلية للدولة، ومن جانب آخر، تكشف الوثائق والبحوث الأكاديمية التي حلّلت دور الوزير “مؤيد الدين بن العلقمي” أنّ المسألة لم تكن مجرّد خيانةٍ فردية مطلقة ومباشرة كما صوّرتها بعض كتب التاريخ القديمة، بل كانت نتاجاً لصراع أجنحة أكبر من الأفراد داخل القصر العباسي، بين تيار داع للمهادنة الدبلوماسية وتيار قيادة الجيش المتشدّد وغير المستعد عسكرياً، وفي ظلّ هذا الانقسام الحاد أدى في النهاية إلى تسريح جزء كبير من الجيش العباسي وتقليص ميزانيته بذريعة التقشف المالي، الذي تؤكده البحوث الاقتصادية أنّ الدولة العباسية وقتها كانت تعاني من إفلاسٍ مالي حاد، وفساد إداري متجذّر، وتراجع كبير في صيانة نظم الري والزراعة، ممّا جعل الجسد العباسي هشاً تماماً ومستعداً للانهيار أمام أيّ صدمةٍ خارجية قوية.
وبالنظر إلى تلك المعطيات والأسباب، كان من المفترض على النخبة الحاكمة والشعب في ذلك الزمان اتخاذ خطوات مصيرية وحاسمة لتفادي هذه الكارثة الإنسانية والحضارية الكبرى، فمثلاً كان يجب تحصين الجبهة الداخلية ونبذ الخلافات المذهبية فوراً، فالتماسك المجتمعي للشعب العراقي والوحدة الوطنية هما خط الدفاع الأول والأساسي أمام أيّ غزوٍ خارجي، وأيضاً كان على الخليفة تفعيل الدبلوماسية الوقائية الذكية وبناء تحالفات عسكرية عاجلة وصادقة مع القوى الإسلامية الناشئة والقوية في المنطقة المجاورة، مثل جذور المماليك في مصر أو الأيوبيين في الشام، بدلاً من سياسة العزلة التامة والاعتماد الواهم على هيبة الخلافة “الرمزية” التي لم تعد تخيف القوى الطامعة، وأخيراً كان من الواجب على القيادة العسكرية عدم الركون العقيم إلى أسوار المدينة المحصنة، بل كان عليهم وضع خطة دفاعية شاملة وتخزين المؤن الغذائية والتموين لسنواتٍ عدة، أو حتى اتّخاذ قرار شجاع بالانسحاب التكتيكي ونقل ما يتعلق بالعاصمة والعلماء والمخطوطات الثمينة إلى مكانٍ آمن للحفاظ على الإرث الحضاري للأمة، بدلاً من الاستسلام لواقعٍ مأساوي فرضته الحسابات السياسية الخاطئة والتردد القاتل، فالتاريخ يجب أن تعاد دراسته بما يضمن علينا في زماننا عدم تكرار للمآسي.


