آراء
نستكمل جولتنا في كتاب «الإفادات والحكايات والإنشادات ممّا رويته وسمعته من العلماء والأدباء في الحضر والرحلات» للشيخ محمد بن ناصر العجمي. وقفتُ عند اقتباس يذكر فيه هذه الحكاية: «سمعتُ حارثًا المحاسبي يقول: ثلاثة أشياء عزيزة أو معدومة: حُسْنُ الوَجْهِ مع الصيانة، وحُسْنُ الخُلُقِ مع الدِّيانة، وحُسْنُ الإخاء مع الأمانة». وهذه الثلاثة تُذَكِّر الشيخ العجمي بثلاثةٍ أُخرى سَمِعَها مِن العلَّامة محمود الطناحي في القاهرة سنة 1419هـ. قال: «قالت العرب قديمًا: يُعطى الصادق ثلاث خصال: الكرامة، والمُلحة، والهيبة».
وينتقل بنا الشيخ محمد ناصر العجمي في الكتاب إلى حكايات عن الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وقد سمعتُ من الشيخ عبد الوهاب الطريري قصصًا طريفة عن أبو غدة، وصوَّرتُها معه في بودكاست على الإنترنت، أيام عيشي في إسطنبول. يقول الطريري عنه: «كان أبو غدة بستانًا وجنَّة»، ويصفه بـ«الروح المأنوسة»، ووصفه بـ«الشخصية الأنيقة»، أنيق في لباسه وأنيق في منطق حديثه، وينتقي الكلمات بدقة، ولا يتحدث هدرًا أو هذرًا، فالشيخ أبو غدة يقتنص الكلمة اقتناصًا ولحديثه لذة، وعنده عشق للعلم وطرب بالمعلومة إذا ظفر بها وهو يقول لطالبه: «يرحم جدك!». أتمنى أن تسمعوا حديث الطريري عنه، فقد تحدَّث عن نفسه الرضيَّة وسخائه العلمي، وحكى قصة في البودكاست عن كتابه «الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم».
وقد تعلَّمتُ مِن كتاب الشيخ أبو غدة الرائع والمميز بعنوان «صفحات مِن صَبْر العلماء على شدائد العِلم والتحصيل»، وفي كتاب الشيخ العجمي حديث عن عناية الشيخ عبد الفتاح أبو غدة بطباعة كُتبه ونوع الخط ودِقَّته البالغة في ذلك، فهو صاحب ذوق يحرص على نوع الورق وشكل الكتاب الخارجي، رحمه الله.
يقول: «أمَّا ذوق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في طباعته لكُتبه ومعرفته بجمال صناعة الكتاب وحَرْفِهِ والدِّقة البالغة في ذلك، فإنه أخبرني -أي الشيخ رمزي دمشقية- أن الشيخ عبد الفتاح مدرسة في هذا الميدان، قلَّما يُدانيه فيها أحد، فهو يرسم خطة لمن يصفُّ (ينضد) الكتاب، ويُوصي عند تصحيحه الأول عند المصحِّح ماذا يصنع في تصحيحه، مثل: أي كلام يكون في أول السطر، أو أي سطر يحتاج إلى تغميقه باللون، وتنبيهه على ألَّا يكون بين الكلمة والأخرى بياض كثير إذا لم تكُن لذلك ضرورة. ويُذَكِّرُهُم دائمًا أنّ تجميل الكتاب والعناية به هي حِلْية مهمة له، ومِن ذلك اختيار ورق الكتاب وأنه من النوع الفاخر النقي، بل وتحديد نوع الغِرام منه مثل 80 غرام… إلخ، ويقول له: إنَّ الورق الجيِّد هو الإناء الذي تسكب فيه العقول والجهود. ويوصيهم بشكل الكتاب الخارجي، وأنه يكون من الألوان الرفيعة، ثلاثة ألوان أو نحوها. ثم بعد ذلك كيف يكون خط غلاف الكتاب عند الخطاط، فيذكر ذلك بوضوح مع التمثيل لذلك، فإنه يقول لهم مثلًا عن العنوان الخارجي: خط ثلث 10 سم. إلخ».
ومِن حِكَم الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: «كم أماتت رغبةُ الكمالِ إنجازَ كثيرٍ منْ جليلِ الأعمالِ! كما أمات التراخي والتسويفُ كثيرًا من فريد التأليف». أفدتُها مِن الأستاذ فهد بن عسكر الباشا، من كتابه «الناطق الأخرس». ويقول أيضًا في الكتاب، وعبد الفتاح أبو غدة القائل: «والكتب في حياة العالم تحل منه محل الرُّوح من الجسد، والعافية من البدن، اضطر يومًا إلى بيع الشال الذي ورثه من والده لشراء بعض الكتب. يقول: وعرضَت لي يوما بعضُ كتب نادرة تهمني جدًّا، ورغبتُ في اقتنائها، ولكني كنت في إملاق شديد، فلا سبيل إلى شرائها! وقلق قلبي وخاطري جرّاء ذلك، فبِعتُ شالتي التي ورثتها من أبي رحمه الله تعالى في سوق الحراج، واشتريت تلك الكتب، وأرحتُ قلبي وخاطري وفرحتُ باقتنائها ووصولي إليها فرحًا عظيمًا أنساني فقْد الشالة، والحمد لله». أفدتها كذلك من كتاب «الناطق الأخرس».
يذكر الشيخ محمد بن ناصر العجمي في كتابه حكايةً يقول فيها: «لقيت القاضي العلَّامة مجيزنا إسماعيل بن علي الأكوع في دمشق في إدارة دار الفكر للطباعة والنشر عند مديرها عدنان سالم، وكان برفقته الكاتب الدبلوماسي أحمد عبد الرحمن المعلمي، والوقت في أيامها حرب أهلية ضروس في اليمن بين الشمال والجنوب سنة 1994م. ولفت نظري أن الشيخ الأكوع جالس لتصحيح ومراجعة كتابه الكبير “هِجَرُ العِلْمِ وَمَعاقِلُه فِي اليَمَن”، وهو يتكلم مع صاحب الدار الناشرة، ويُملي عليه توجيهاته بشأن الطبع، وكأن بلده لم يقع في حينها في حرب، فعجبتُ لهذه الهمَّة والجَلَد. كما أنَّ صاحبه الذي معه، وهو الأديب أحمد بن عبد الرحمن المُعَلِّمِي، كان يحدِّثني عن الأدب والتأريخ، وتكلَّم بإكبار وإجلال عن العلَّامة الشيخ عبد الرحمن المُعَلِّمِي ووصَفه بالزهد والقناعة والتدفق العلمي لَمَّا كان في الهند وبعد رحيله إلى مكة. وقدَّم لي المُعَلِّمِي هذا كتابه «من بيروت إلى حضرموت»، وَمَهَرَهُ بالإهداء والتوقيع.
يقول الشيخ محمد ناصر العجمي في كتابه: «أخبرني شيخنا العلَّامة المعمِّر بهجة المجالس في محروسة دمشق، شيخ الدكاترة وأستاذ الأساتيذ مازن بن عبد القادر المبارك في دمشق، قال: كان آخر لقاء لي بالإمام العلَّامة الشيخ محمد الخضر حسين التونسي في عام 1957م بالقاهرة، بعد إبعاده عن مشيخة الأزهر، ولم أكُن زُرته من قبل، ولكني بعدما سمعتُ بعزله أو إبعاده الذي أذاعوا أنه استقالة، أحببت أن أراه، وسألت عن داره، فقال لي واحدٌ مِمَّن أَعْرِفُ من الأساتذة الأزهريين: أنا أدلُّك على بيته، ولكني أنصحك ألَّا تزوره. ولما سألته عن السبب قال: الريس غضبان عليه. فقلت له: أنا هنا ضيف جئت للدراسة، والرَّجُلُ صديق والدي، ويجب أن أطمئنَّ على صحَّته (المقصود بالريس جمال عبد الناصر).
ذهبتُ إلى دار الشيخ، ودخلتُ عليه غرفته الصغيرة، وفيها سريره وخزانة كتبه… وحدَّثني عن صِلَته بوالدي، فقال لي: لقد خرجتُ من دمشق وأنا أشهد أنَّ الشيخ عبد القادر المبارك كان أعلم العرب بلغة العرب. ودار بيننا حديث قصير عن حياة الشيخ وتنقُّله في البلاد العربية، ثم استقراره في الأزهر، فسألتُه عن سبب تركه لرئاسة الأزهر، وهُنا نهض من سريره وعقَد يديه خلفه وراح يذرع الغرفة جيئة وذهابًا، كأنه أسدٌ يجول في قفص، وهو يتحدث قائلًا إنَّ مرسومًا جاءه برسالة من الرئيس عبد الناصر يطلب منه الموافقة والتوقيع عليه، وهو يتضمن إدخال واردات وزارة الأوقاف في واردات وزارة المالية، كسائر وزارات الدولة. فقلتُ لحامل الرسالة: إنَّ أموال الأوقاف أموال مِلِّيَّة، أي خاصة بالمسلمين، ولا يجوز إدماجها بأموال الدولة، لأن أموال الدولة عامة لكل المصريين، أما أموال الأوقاف فقد خصصها أصحابها الذين وقفوها على وجهات محددة، ونحن وكلاؤهم عليها، ولا يحق لنا ولا لغيرنا التصرف بها. ورددتُ الرسالة بالاعتذار دون توقيع، فعاد رُسُلُ الريس في اليوم التالي وقالوا بعدَ كلام طويل من الترغيب والترهيب: يقول لك الريس إنه عايز كده. ويطلب منك التوقيع عليها. فقلتُ لهم وقد دفعتُ الرسالة إليهم: سَلِّموا على الريس وقولوا له: ربنا مش عايز كده.
وبعد يومين أُبلغت بإبعادي عن العمل.
وكان الألم باديًا عليه، وقد أخذ منه التعب مأخذه، فودَّعتُه وانصرفتُ، وشاركتُ بعد شهرٍ بتشييعه. رحمه الله وأثابه خيرًا».
نقل الشيخ محمد بن ناصر العجمي هذه القصة في كتابه: «كنت أسمع أنَّ الشيخ عبد القادر المبارك يحفظ القاموس المحيط للفيروز آبادي، فقرَّرت في نفسي أن أمتحنه، وكان لي صديق يبيع السَّجَّاد في سوق الحميديَّة مِن آل اللَّحَّام، فذهبت وجلست عنده وقلت له: هل تعرف الشيخ عبد القادر؟
فقال: طبعًا، يَمُرُّ يوميًّا مِن هُنا.
قلت له: إذا جاء فنبِّهني.
ولمّا مرَّ الشيخ عبد القادر أشار صاحب المحلِّ إلى الرجل وقال: هذا الشيخ عبد القادر وصل.
قال الرجل: فذهبت وسلَّمت على الشيخ عبد القادر وقلت له: سيّدي، مرَّت معي كلمة لم أعرف معناها ولم أستطِع الوصول إليها.
فقال: ما هي؟
فقال إحدى الكلمات، فقال له: سَجِّل.
فكتبت ما قاله، وشكرته على ذلك، ثُمَّ عُدت إلى منزلي ورجعت إلى القاموس فوجدتها مُطابقة لما ذكره حرفًا حرفًا! ولم أقتنع، فقلت في نفسي: لعلَّ هذه الكلمة كانت في موضوعِ الدرس الذي كان يُلقيه اليوم في جودة الهاشمي، وقد مرَّت معه في درس اليوم أو الدرس السابق، لأنها كما جاءت في القاموس تمامًا. فجهَّزتُ كلمة ثانية، وجلستُ بعد يومين في المحلِّ الذي يمرُّ به الشيخ عبد القادر، وحين مرَّ الشيخ عبد القادر نَهضْتُ وسلَّمتُ عليه وقلتُ له: لا تُؤاخذني إذا أزعجتُك، وجدتُ كلمة ثانية مرَّت عليَّ في نصٍّ قديمٍ لم أعرف معناها، ولم أستطِع الوصول إليها.
فاخترت له كلمة وسألته عنها، فقال لي: اكتب.
فكتبتُ الكلمة من إملائه، وراجعتها في القاموس فإذا هي مثلها أيضًا! فعجبتُ من ذلك أيّما عجب، فقلت في نفسي: والله لأمتحنَنَّه امتحانًا لم يمتحنه أحد قبلي.
فركَّبْتُ كلمةً من عدة كلمات لا وجود لها في القاموس ولا في اللغة، ثُمّ جلست في المحلّ أنتظره، ولمًا حضر سلَّمت عليه، وقلت له: هذه الكلمة سيِّدي أريد معناها. فأخرجتُ له الورقة وقرأتُها له، فجلس الشيخ يفكِّر في معنى الكلمة مليًّا، ثُمَّ أعاد التفكير، ورفع عمامته عن جبهته إلى الوراء قليلًا، وأخذ ينظر إلى بعيد، ثُمّ قال لي: أعِدْ علَيَّ الكلمة.
فأعدتُ قراءة الكلمة، فقال لي: هذه الكلمة ليست عربية، والعرب لا ينطقون بها ولا يعرفونها، أَوَتَمْتَحنُني يا هذا؟! قال: فخجلت منه، وسلَّمتُ عليه واعتذرتُ منه وانصرفتُ، وصَدَّقتُ أنَّه كان “القاموس السيَّار” وأنَّه يحفظ القاموس عن ظَهْر قلْب».
ذكر الشيخ محمد بن ناصر العجمي: أخبرني القاضي المستشار سميح بن شفيق الغبرة الدمشقي -سبط الإمام جمال الدين القاسمي- في منزله في حي المهاجرين في محروسة دمشق، قال: أخبرتني والدتي نظمِيَّة بنت الجمال القاسمي، قالت: كانت أمي -أي زوجة الشيخ القاسمي- إذا أرسلتني لأمر خاص بهم -وهو في حلقة الدرس- يُجيبني بقوله: «على عيني يا ستّي»، فَاعْتَرَض عليه أحد طلبته متسائلًا حول صحة هذه الكلمة، فقال له الشيخ جمال: ألم تسمع قول الشاعر بهاء الدين زهير:
«بُروحي مَن أُسَمّيها بِسِتّي
فَتَنظُرُني النُّحاةُ بِعَيْنِ مَقْتِ
يَرَوْنَ بِأَنَّني قَد قُلْتُ لَحْناً
وَكَيفَ وَإِنَّني لَزُهَيرُ وَقْتي
وَلكِنْ غادَةٌ مَلَكَتْ جِهاتي
فَلا لَحْنٌ إِذا ما قُلتُ سِتّي»؟
أي: إنها مَلَكَتْ عليه جميع الجهات الست. فضحك الطلبة من ذلك، وَسُرُّوا من هذا الجواب.
ويُورِد قصة أيضًا حيث كان جمال الدين القاسمي يَمُرُّ في شارع الدَّرْويشيَّة بالقرب من باب الجابية، وفي طريقه بعض المقاهي على الأرصفة، وفيها أُناس يُزجُونَ أوقاتهم في التَّلهِّي والتسلية بالورق والنَّرْدِ، فكان يتأوَّه ويقول: «ما أرْخَصَ وقت هؤلاء! كم أتمنى أن يكون الوقت ممّا يُباع لأَشْتري مِنْ هؤلاء جميعًا أوقاتهم، لأُتمّم ما أنا شارعٌ فيه من التأليف».
يذكر الشيخ العجمي في الكتاب حديثًا في حقِّ علَّامة الكويت الشيخ عبد الله الخلف الدَّحَيّان، يقول: «وكان كثيرَ الإيثار والصَّدقات لتلاميذِهِ ومن يتردَّد إليه، مُحبَّبًا إلى النَّاس عامَّة، وإلى العلماء خاصَّةً. لا يخلو مجلسُهُ من العُلماءِ من أهل الكويت والوارِدينَ إليه. وكان لا يَرِدُ الكويتَ عالمٌ أو أديبٌ إلَّا أخذَهُ إلى بيتهِ وضيَّفه وأكرم مَثْواهُ، وانصرفَ عنه شاكرًا، ولهذا لم أجِد في ذلك البلد ولا غيرِه مَنْ يتنقَّصه أو لا يُظهِرُ الثَّنَاءَ عليه. وكان مع غَزَارَةِ علمه لا يستنكفُ عن الأخذ عمَّن هو دُونَهُ، فلقد جالستُهُ مرارًا ودارَ البحثُ بيني وبينَهُ في مسائلَ عديدة، فكان يُظهِرُ لي الشُّكرَ على توقيفه على أقوال العلماء فيها، كأنه لم يعرفها، وهو أعلمُ مني بما أذكرُ له، ولكنْ لصدقِ لَهجتِهِ وحُسن نِيَّتِهِ وكَرَمِ أخلاقِهِ وبُعدِهِ عن الحَسَدِ الحاملِ على تركِ الفائدةِ، كان منه ذلك، وكان من التَّواضُع ولينِ الجانبِ بمكانٍ لا أستطيع وصفَهُ. وقد حصلَ له من الكُتبِ الغريبة الخطيَّة ما لم يحصل لغيرِهِ من العُلماءِ في ما رأيتُ، بعضُها بالشِّراء، وبعضُها بالاستكتاب، أمّا المطبوعةُ فحصل له غالبُ المطبوعاتِ على اختلاف أنواعها، فانتفع بذلك، وكان كثيرَ المطالعةِ، حادَّ الذهنِ، قويَّ الحافظةِ».
كنتُ في موسمٍ من مواسم الحج في منزل جَوْهَرَةِ أئمة الحَرَم المكِّي العلَّامة محمد بن عبد الله السبيل في العوالي من مكَّة المشرفة، وكان حاضرًا للسلام عليه ابن أخيه الشيخ الوجيه عمر ابن الشيخ عبد العزيز السبيل، فأخبرنا بهذا الخبر قائلًا: كان الشيخُ محمد حامد الفقي المِصْرِيّ وأصحابه من أنصار السُّنَّة المحمّديّة يَنْزِلُ وإيّاهم في مواسم الحج ضيوفًا عند وجيه جدَّة الشيخ محمد نصيف في منزله بِجدَّةَ، وفي ذاك الزمن كانت جدَّةُ خالية من الفنادق.
وفي إحدى حجَّات الفقي، وكان ذلك في ختامه، حين سفره، تكلَّم معه الشيخ محمد نصيف في وُعود سابقةٍ من الشيخ الفقي لطابعة كتابٍ عنده مما يقومُ الشيخُ محمد نصيف بطبعه من الكتب على نَفَقَتِهِ وتوزيعها على أهل العلم في العالم الإسلامي.
وكان الشيخُ الفقي قد تأخر جدًّا في ذلك مع التسويف وتجاوز الوقت كثيرًا، فغضب الشيخ محمد نصيف من هذا كثيرًا -وهو الحليمُ سَنِيُّ الخصال-، فكانت ردَّةُ فعلٍ من الشيخ الفقي أيضًا وازداد تَأَخُّرُه ولم يُنْهِ طباعة الكتاب.
وفي الموسم التالي إذا بالشيخ الفقي ومعه أصحابه ينزل في جدَّة، والمَصِيرُ أنه لا بدَّ أن يُدَبِّرَ أمرَهُ في النزول عند الشيخ محمد نصيف، إذ لا فنادق ولا مكان يصلح له هو وأصحابه، فما كان منه إلا أن اتّجه إلى المكان المُعَدِّ للضيافة في دارة الشيخ محمد نصيف ووضع أمتعة سفره فيها، ودخل بعدها مباشرة إلى مجلس الشيخ محمد نصيف الذي يستقبل فيه الناس، قائلًا له: «يا شيخ محمد، هذا البيت ليس بَيْتَكَ وَحْدَكَ، وإِنَّما هو بيت الأُمَّة الإِسلاميّة، ولي فيه حَقٌّ مِثْلَ بَقِيّةِ الأُمَّة».
أختم هذه الحكايات بفقرة من مقدمة الكاتب حسان حسني الطيان للكتاب، إذ يقول: «والشيخ أبو ناصر في كتابه هذا، بل في حياته كلها، يمضي على سَنَن الأكابر من أهل العلم والذكر والمعرفة، فهو صَبُورٌ لا يمَلُّ، نَهُوم لا يشبع، جَلْد لا يَكِلُّ ولا يتعب، سَؤول لا يَنِي ولا يَفتُر، عَقُولٌ يَعِي كلَّ ما يسمع. أخَذ نفْسه بما أخذ به أرباب العلم أنفسهم من مصاحبة العلماء، وحُسنِ التأتِّي في صحبتهم، وكثرةِ التسآل لهم، والأخذ عنهم، والرواية لأخبارهم.
ولا بُدَّ لي من التوقف عند حسن التأتِّي الذي بلغ فيه الغاية لطافةً وحسًّا، وتحبُّبًا وقربًا، وهو يحتشد له بكل ما أوتي من وسائل الألفة والودِّ والمحبة، والكرم والجود، والسماحة والعطاء.
على أنَّ أعظم ما يمتلكه من ذلك كله لينُ الكلمة وسِحرُها، فمَن لانَتْ كلمتُهُ وجبَتْ محبَّتُه، ومَن ذهبتْ كُلفتُه دامَتْ أُلْفتُه، وهو يسحر العلماء والجلساء بكلامٍ يمتزج بأجزاءِ النفسِ لطافةً، وبالهواءِ رقةً، وبالماءِ عذوبةً، وبالعسلِ المصفَّى طعمًا وذوقًا، وبالنغَمِ الجميل إيقاعًا وجرسًا».