آراء
لطالما سكنت مخيلة ناس فكرة وجود “العبقرية المطلقة” التي لا تُقهر، وارتبط اسم “ألبيرت آينشتاين” في ذاكرتهم بقمة الذكاء ، إلا أنّ التاريخ يروي لنا واقعة قد تبدو صادمة للوهلة الأولى، وهي إخفاق صاحب هذا العقل الفذ في اجتياز امتحان دخول الجامعة وهو في السادسة عشرة من عمره، وإنّ هذا الإخفاق لم يكن نتاج قصور ذهني، بقدر ما كان تجسيداً للصراع الأزلي بين “الروح المبدعة” وبين “القوالب التعليمية الجامدة” التي تسعى لتعليب وتجميد العقول في أطرٍ محددة سلفاً، حيث يجد الفرد نفسه مضطراً للركض خلف معايير تقييمية يضعها الآخرون و لا تترك مساحة كافية لاستشعار حقيقة تميز الفرد عن غيره، ففي الاختبارات نجد أنّها تُصمم لقياس مدى القدرة على الاستذكار فقط وتجميع المعلومات من حقولٍ شتى دون رابط .
وإنّ التدقيق في هذه الحادثة التاريخية يكشف لنا معضلة تربوية ونفسية تتقاطع مع ما نعيشه اليوم من “تشتت منهجي تعليمي”، فالنظام التعليمي التقليدي غالباً ما يعامل العقول كمستودعاتٍ للتخزين، وليس كمختبراتٍ للابتكار والإبداع، وهو ما يفسّر وصول الكثيرين إلى حالة من الإجهاد النفسي عند محاولة التكيُّف مع هذه القوالب التعليمية الاكاديمية التي لا تشبههم، فلقد كان آينشتاين يمتلك الذكاء الانتقائي العميق، وهو نوعٌ من الحضور الذهني الذي يرفض السطحية ويأبى الانقياد خلف ما لا يخدم جوهر المعنى، ممّا يجعل استعادة هذا الحضور ضرورة نفسية وجودية للارتقاء فوق التلقين، وهذا التعثر الأكاديمي يعلّمنا أنّ الاستقرار والراحة النفسية هما ثمرة تفاعل دقيق بين الحضور الذهني للحدث وفهمه بعمقٍ بعيداً عن ضغوط التقييم الخارجية والامتحانات المرهقة.
لذلك، فإنّ الحكمة العميقة التي نستقيها من تعثر آينشتاين الأكاديمي المبكر ليست مجرّد قصة تاريخية، بقدر ما هي دعوة صريحة وشجاعة للخروج من حالة التشتت التعليمي الرازحة تحت وطأة ضغوط التقييمات الامتحانية الجوفاء، والانتقال نحو رحاب الازدهار النفسي والمعرفي عبر تبنّي استراتيجيات تعيد هندسة العملية التعليمية برمتها، وإنّ الضرورة القصوى اليوم والآن تكمن في التخلي الجذري عن “سياسة الحشو” التقليدية، التي تحول عقول طلبتنا في المدارس والجامعات إلى مخازن للمعلومات المكدسة التي سرعان ما تتآكل وتسبب الإجهاد والاحتراق الوجداني.
وإنّ البديل الوجودي والحضاري هو الانتقال إلى نموذج تعليمي يشجع على “الابتكار والإبداع”، حيث يمنح الطالب تلك “الفجوة الزمنية” الضرورية للتأمل والنقد بدلاً من الانقياد الآلي لردود الأفعال المبرمجة ، فالمطلوب الآن هو إيجاد بيئة أكاديمية لا تكتفي بتقديم الأجوبة، بل تُعلم الأجيال كيف يطرحون الأسئلة الجوهرية بوعي ونضج، مما يحول الموقف التعليمي من واجب ثقيل إلى “ارتباط عميق بمعنى الوجود”، و إن استبدال التلقين بآليات تعزز الحكمة والنمو المستمر سيسمح للمبدعين الذين قد لا تستوعبهم الاختبارات النمطية بأن يجدوا مساحتهم الحقيقية في بناء المستقبل، محولين التعليم من أداة للقياس الكمي إلى جسر رصين يعبرون عليه نحو جودة حياة عالية ومستدامة تليق بطموحاتهم الإبداعية.



