آراء

ترياق النفس في زمن التشتت الذهني   

أبريل 27, 2026

ترياق النفس في زمن التشتت الذهني   

يستيقظ الفرد منا في زماننا على إيقاعٍ متسارع يدفعه للركض خلف عقارب الساعة مسرعاً، في سباقٍ محموم ومرهق لا يترك مساحةً كافية ولا وقتاً كافياً لاستشعار حقيقة الحياة، و هذا الشعور المتنامي الذي نجده فينا  يُعرف في بعض أدبيات علوم النفس بـ”الشتات الذهني” الذي يجعل الفرد يعيش حالة من الاستهلاك الآلي للوقت دون توقف، حيث تمر التجارب والخبرات اليومية دون وعيٍ حقيقي منه بمحتواها، ممّا أدى إلى تآكل الرضا الداخلي والهدوء والسلام النفسي، وبروز شعور الاغتراب عن الذات بشكلٍ أكثر من قبل، فإنّ هذا الشعور المؤلم ليس شعورًا عابرًا، بقدر ما هو معضلةٌ حقيقية تجعلنا ننفصل عن واقعنا المحسوس لنغرق في شتات التنبيهات الوقتية والمطالب اللحظية، وهو ما يفسّر وصول الكثيرين إلى حالةٍ من الإجهاد النفسي المزمن والاحتراق الوظيفي و الوجداني، حتى في أوج نجاحاتهم المادية التي نراها، فالازدهار النفسي الحقيقي ليس مجرّد غيابٍ للاضطرابات أو الأمراض، بقدر ما  هو النمو المستمر والارتباط العميق بمعنى الوجود في الحياة، حيث يجد الإنسان في تفاصيل يومه دافعاً للحيوية وقدرة على تجاوز السطحية في إدراكه للأشياء التي باتت تحدّد علاقتنا بمن حولنا، وممّا يجعل استعادة “الحضور الذهني” في زمن التشتت ضرورة نفسية وجودية وليس مجرّد ترفٍ فكري.

فقد كشفت بعض  الدراسات الأكاديمية الحديثة التي تناولت عينات واسعة من الشباب العربي، أنّ الوصول إلى مستوى مرضي من  الاستقرار والراحة النفسية لن يكن وليد الصدفة أو ضرباً من الحظ، بل هو ثمرة تفاعل إيجابي ودقيق جداً بين أمرين أساسيين وهما: الحضور الذهني للحدث وفهم الحدث والثاني هو الحكمة بوصفها بوصلة موجهة للسلوك ما بعد الحدث،  فالحضور الذهني يعمل كمحركٍ للوعي لدى الشاب، ويمنحه القدرة على مراقبة الأحداث وفهمها وفهم انفعالاته، وتأمل مواقفه بوعيٍ تام دون إطلاق أحكام مسبقة أو الانجراف خلف جلد الذات، وأما “الحكمة ” فتتدخل كعنصرٍ وأداة مهمة تعيد ترتيب المشهد أمام الفرد ليتعلّم كيف يتعامل مع المشاهد بممارسات فضلى ذكية تضمن له كسب الإنجازات وتقليل الإخفاقات، فالحكمة الراسخة الشبابية لا تغرقه في إلقاء اللوم على الظروف أو الإغراق في الندم الشديد، بل تبني له خبرة تعليمية رصينة وجسراً يعبر به وعليه مع الوعي ليصل إلى الاستقرار النفسي المنشود، لذلك أثبتت النتائج التي قدّمتها تلك الدراسات أنّ الفرد الذي يمتلك هذه “الحكمة ” هو الأكثر قدرة على بناء جودة عالية لحياته المستقبلية، حيث تصبح تلك الحكمة هي الموجه الذي يضبط إيقاع الاستجابة للضغوط الخارجية، محولةً إياها من معوقات إلى فرص للارتقاء والنمو.

لهذا نجد أنّه لزاماً على كلّ فردٍ منّا أن يسعى للخروج من حالة التشتت إلى رحاب الازدهار والاستقرار النفسي، فتبرز حينها  الحاجة الماسة لتبني استراتيجيات نفسية تعيد هندسة القيم لدى الفرد، وتبدأ تلك الاستراتيجيات في سياسة “التوقف والتأمل”، وهي تلك الفجوة الزمنية البسيطة التي يمنحها الفرد لنفسه قبل الانقياد لردود الأفعال الانفعالية السريعة، ممّا يفسح المجال للحكمة لتقرر المسار الأنسب له، ومن الاستراتيجيات المؤثرة ممارسة “المراجعة الذاتية اليومية”، ومراقبة الفرد لنفسه والتي تعتبر عملية تحويل للمواقف العابرة إلى دروسٍ حكمية مستدامة تعزز العمق المعرفي، وهنا يأتي حتى لا ننسى الدور الحقيقي للمدارس وجمعيات النفع العام و الاعلام  والمجتمع ككل، فالمطلوب اليوم هو الانتقال من حشو الأدمغة بالمعلومات غير المجدية، إلى تعليم الأجيال كيف يفكرون بهدوءٍ في زمن التشتت، وكيف يتفهمون مشاعرهم ومشاعر الآخرين، وكيف يحلون خلافاتهم بوعيٍ ونضج وحكمة، فالراحة النفسية والنجاح في الحياة ليسا حلماً بعيد المنال، بل هما متاحان لكلّ شخص يملك الشجاعة ليقف مع نفسه وقفة صدق، ويتعامل مع من حوله بحكمةٍ وتوازن.

شارك

مقالات ذات صلة