Blog

بوصلة الجراح.. لماذا يهتف السوري لفلسطين ويرفض التبعية لإيران؟

أبريل 3, 2026

بوصلة الجراح.. لماذا يهتف السوري لفلسطين ويرفض التبعية لإيران؟

 أحمد الياماني

لم تكن مدينة درعا، في جنوب سوريا، يوماً مجرد جغرافيا هامشية، بل كانت دائماً شرارةً للكرامة وبوصلةً أخلاقية تعيد ترتيب المعاني في زمن الالتباس. من هذه المدينة التي أطلقت صرخة السوريين الأولى عام 2011، عاد الصوت ليرتفع مجدداً، لكن هذه المرة نصرةً للأسرى الفلسطينيين، في مشهدٍ يختصر تعقيد التجربة السورية: شعبٌ مثخن بالجراح، لكنّه لم يفقد حسّه الإنساني ولا بوصلته تجاه القضايا العادلة.

درعا تنتفض.. نصرةً للأسرى لا للمحاور

حين تصاعدت التهديدات الإسرائيلية بحق الأسرى الفلسطينيين، ووصلت إلى حدّ قانون ينصّ على تنفيذ أحكام إعدام، انتفضت درعا من جديد. لم يكن ذلك بدافع الاصطفاف السياسي، ولا نتيجة توجيه من أيّ محورٍ إقليمي، بل تعبيراً عفوياً من مجتمع يعرف معنى السجن والاعتقال، ويشعر بآلام من يعيشها. فالسوري الذي خبر الزنازين، لا يحتاج إلى خطاب تعبويّ ليقف مع أسيرٍ فلسطيني؛ يكفيه أن يتذكّر.

فلسطين في الوجدان السوري.. حضور لا ينقطع

لم تكن درعا وحدها في هذا الموقف. ففي إدلب، أقام الأهالي مجالس عزاء للقائد الفلسطيني يحيى السنوار، في مشهدٍ يعكس عمق الارتباط الشعبي بالقضية الفلسطينية. وعلى امتداد الجغرافيا السورية، لم تخلُ المظاهرات يوماً من الهتاف لفلسطين، حتى في أحلك ظروف الحرب. كانت فلسطين دائماً حاضرة في الشعارات، في الوجدان، وفي الذاكرة الجمعية، رغم كلّ ما مرّ به السوريون من مآسٍ داخلية.

لماذا لم يصطف السوريون مع إيران؟

لكن في مقابل هذا الحضور الإنساني لفلسطين، برزت حملة تشكيك وشيطنة من بعض الأصوات الإعلامية، التي حاولت تصوير السوريين وكأنّهم تخلّوا عن القضية، فقط لأنّهم لم يصطفوا مع إيران في صراعاتها، خصوصاً مع تصاعد التوتر والحرب بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل. وهنا، لا بدّ من التوضيح: السوريون لم يقفوا ضدّ فلسطين، بل رفضوا الاصطفاف مع إيران، وهذا فارق جوهري يتعمد البعض تجاهله.

عندما بدأت المواجهات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهةٍ أخرى، لم ينخرط السوريون في هذا الصراع بوصفه “معركتهم”. لم يخرجوا تأييداً لإيران، ولم يرفعوا شعاراتها، لا لأنّهم ضدّ مواجهة إسرائيل، بل لأنّ ذاكرتهم القريبة مثقلة بتجربةٍ قاسية مع النفوذ الإيراني داخل سوريا. فإيران، بالنسبة لكثيرٍ من السوريين، لم تكن مجرّد دولة “داعمة للمقاومة”، بل طرفاً فاعلاً في الحرب السورية، ارتبط اسمها بالميليشيات، والدمار، والتهجير، والتغيير الديمغرافي.

بين الرفض والتضامن.. موقف أخلاقي معقّد

من هنا، فإنّ امتناع السوريين عن الاصطفاف مع إيران لا يمكن تفسيره كخيانةٍ للقضية الفلسطينية، بل هو تعبير عن وعيٍ نابع من تجربةٍ مباشرة. لا يمكن مطالبة شعبٍ عانى من تدخل قوةٍ ما، أن يتجاهل آلامه ويهتف لها فقط لأنّها ترفع شعاراً سياسياً معيناً. فالشعارات، مهما كانت براقة، لا تمحو الذاكرة.

ومع ذلك، فإنّ هذا الرفض لم يتحوّل إلى عداءٍ للقضية الفلسطينية، بل بقيت فلسطين حاضرة في وجدان السوريين، كقضية عدالة تتجاوز الاصطفافات. وهذا ما ظهر بوضوحٍ في مظاهرات درعا، وفي شوارع إدلب، وفي كلّ ساحةٍ سورية لم تنسَ أن تهتف لفلسطين.

سوريا.. خارج القوالب الجاهزة

هذه الازدواجية الظاهرية، التي يراها البعض تناقضاً، هي في الحقيقة تعبير عن نضجٍ سياسي وأخلاقي. فالسوري لم يعد مستعداً لأن يكون أداةً في صراعٍ إقليمي، ولا أن يُستخدم اسمه لتبرير سياساتٍ لا تمثله. لقد دفع ثمناً باهظاً، وتعلّم أن يميّز بين القضايا العادلة، والمشاريع التي تتخفّى خلفها.

إنّ ربط القضية الفلسطينية بمحورٍ سياسي محدّد، وإقصاء كلّ من لا ينتمي إليه، هو أحد أخطر أشكال التشويه. ففلسطين، في جوهرها، ليست ورقة تفاوض، ولا أداة نفوذ، بل قضية شعب يسعى للحرية. والسوريون، رغم كلّ ما مرّوا به، لم يتخلوا عن هذا الفهم.

الخاتمة: من درعا تبدأ الحكاية

في النهاية، لا يمكن اختزال الموقف السوري بشعارٍ واحد، أو وضعه في خانةٍ جاهزة. هو موقف مركب، نابع من تجربة معقدة، يجمع بين الألم والوعي، بين الرفض والتضامن. فالسوري الذي لم يصطفّ مع إيران في حربها، لم يفعل ذلك لأنّه تخلّى عن فلسطين، بل لأنّه لم يعد يقبل أن يُطلب منه أن ينسى جراحه.

وهكذا، تبقى سوريا، رغم كلّ شيء، حاضرة في قلب القضايا العادلة، لكن بطريقتها الخاصة. طريقة لا تخضع للابتزاز، ولا تنسى، ولا تساوم على الألم.

ومن درعا، كما في كلّ مرة… تبدأ الحكاية.

شارك

مقالات ذات صلة