آراء
حين يتأمل القارئ العربي والخليجي المشهد الإقليمي الآن وما كشفت عنه الأحداث المتلاحقة السريعة بالحرب القائمة بين أمريكا و ايران، يدرك أنّ المسألة الآن أصبحت لحظة كاشفة لطبيعة خطر يحوم حول الدول الخليجية، ولم تعد صراعاً حدودياً عابراً، ومن يقرأ تاريخ إيران من بعد الصفوية يعلّمنا أنّ هذا الكيان تأرجح دوماً بين “عسكرة الجغرافيا” و”أدلجة العقول”، وهو ما يضعنا اليوم أمام تحدٍ مركب يمتد من الحفاظ على الأمن إلى الوعي بخطورة المشهد.
فلقد بدأت فصول التغريبة الإيرانية مع نادر شاه الأفشاري، الذي لم يجد وسيلة لترميم شتات مرحلة ما بعد العهد الصفوي الطائفي إلا بـ “الحديد والنار”، مؤسساً لكيانٍ عسكري صرف يرى في القوة المجردة غايته الوحيدة، ولكن هذا الاستعراض في القوة لم يلبث حتى تبخر في العهد القاجاري، حيث تحوّلت الدولة إلى ساحة مستباحة ينقل الخصوم صراعاتهم إليها، ومع مجيء الدولة البهلوية، انتقل العبث والفساد من الخارج إلى الداخل عبر “تحديث قسري وإجباري” حاول فيه القائم بالدولة البهلوية صهر الهوية الوطنية في قوالب مستوردة من الغرب، مشكلاً بوابة يمكن تسميتها بأولى محاولات “اختراق الدولة الإيرانية من الداخل”، وهذا الضغط المفتعل قاد حتماً إلى انفجار عام 1979، ثورة الخميني التي لم تمنح إيران الاستقرار المنشود، بل حوّلتها من دولة تبحث عن ذاتها والقيام بحقوق الشعب إلى “مركز لتصدير الأزمات”، ومصنع لصناعة الشبكات المعقدة والعقول المجندة التي تعمل في الظل، وتزرع الولاءات بصمت حتى تنضج في توقيت محسوب وخطير.
فإنّ أخطر ما في هذه الحقبة الحالية، ليس السلاح والمسيرات فقط ، بل هي الفكرة التي تقوم عليها وهي “الحكم بالهلاك على الحلفاء قبل الأعداء ” ، وهنا تبرز شخصية المرشد الأعلى بوصفه الركيزة التي تدير هذه الشبكات المعقدة التي تعمل في الظل ، ولعلنا نتسائل : كيف ستتحول إيران بعد انهيار الرأس المدبر لهذه العقول المجندة والشبكات المعقدة؟ مع وجود شخص جديد حالي غير معروف الوجهة والمسار .
وعند مراجعة سلوك طهران مع جيرانها، وتحديداً دول الخليج كالكويت وقطر، تكشف عن نمطٍ من “الغدر السياسي” الذي يتجاوز حدود المناورة الدبلوماسية إلى محاولة تفكيك استقرار الحلفاء سابقاً من الداخل، ففي الوقت الذي اختارت فيه هذه الدول نهجاً عقلانياً تسامحياً لإبقاء قنوات التواصل مفتوحة، كانت “خلايا الظل” تُزرع بصمت لتتحوّل الجغرافيا الخليجية إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات وتصدير الأزمات، هذا الغدر بالجار الذي مد يد التعاون، يثبت أنّ المشروع الإيراني لا يؤمن بالتعايش بقدر ما يؤمن بـ”نظرية تدمير الحلفاء والأعداء “وإعادة تشكيل الخريطة خارج إطار الوطن.
فالمرحلة القادمة لدينا كخليجيين، ومع تصاعد نذر المواجهة يكون الرهان القادم هو على “الوعي الوطني” والتمسك بـ”الحياد النسبي العقلاني” كدرع حصين يمنع تحويل كياننا الوطني إلى قربان في معارك الآخرين، فالدول كما ذكرت مراراً و تكراراً لا تُستهدف إلا إذا قصرت في تحصين وعيها ضدّ الغدر والارتهان للآخر.


