Blog
يوسف شندي الراوي
تصنف محافظة الحسكة، الملقبة بـ “قلب إقليم الجزيرة”، أحد أهم المرتكزات الجيوسياسية “الأكثر تعقيداً وأهمية” في الجغرافيا السورية والشرق أوسطية؛ فهي المنطقة التي تتداخل فيها السويات الحضارية الموغلة في القدم، والتي تعود إلى الألفية الثامنة قبل الميلاد، والتي شهدت تحولات سياسية وعسكرية كبرى أعادت رسم ملامح السيادة السورية في مطلع عام 2026.
إنّ فهم الحسكة اليوم لا يقتصر على دراسة تقسيم إداري سابق، بل يتطلّب رؤية بانورامية تربط بين إرث الإمبراطوريات كـ “الميتانية” و”الآشورية”، وبين الاتفاقات السيادية المعاصرة التي أنهت حالة الانقسام، وأبرزها اتفاق الاندماج التاريخي الأخير.
تبرز محافظة الحسكة كـ”سرة” الهلال الخصيب، حيث تختزن في باطنها أسرار نشوء المجتمعات الزراعية الأولى، وفي ظاهرها نسيج بشري فريد يجمع العرب والأكراد والسريان والآشوريين والأرمن في نموذج للتعايش الذي صمد أمام أعنف التحولات منذ الأزل.
تشير الدراسات الأثرية المعمقة والحفريات إلى أنّ منطقة الحسكة هي إحدى أقدم المناطق المأهولة في العالم، حيث يعود الاستقرار البشري الدائم فيها إلى العصر الحجري الحديث.
خلال العصر البرونزي المتأخر (1550-1260 ق.م)، برزت “مملكة ميتاني” كقوة إقليمية عظمى سيطرت على حوض نهر الخابور وطرق التجارة الدولية.
وتعتبر مدينة “واشوكاني” (Washukanni)، التي يرجح علماء الآثار وقوعها تحت “تل الفخيرية” بالقرب من مدينة رأس العين، القلب النابض لهذه الإمبراطورية التي نافست الفراعنة والحثيين؛ ويرتبط اسم المدينة لغوياً بالكلمة الكردية “باشكاني” (Bashkani) التي تعني “مصدر الخير” أو “البئر الجيد”، وهو ما يعكس الوفرة المائية التاريخية للمنطقة.
لا تُعد محافظة الحسكة مجرد رقعة جغرافية في الشمال السوري، بل هي مخزنٌ تاريخي هائل يضم تحت ترابه أكثر من 1000 تل أثري، لم تبُح الأرض إلا بأسرار 150 تلاً منها حتى الآن.
هذه الحواضر لم تكن مجرد تجمعات سكنية، بل كانت مراكز إشعاع حضاري صاغت ملامح التاريخ الإنساني المبكر.
حموقار وتل حلف.. فجر التنظيم والفن
تبدأ الحكاية من “حموقار”، التي تعود للألف الرابع قبل الميلاد، وتُصنف كواحدةٍ من أقدم المدن المنظمة في العالم؛ حيث كشفت التنقيبات فيها عن أنظمة ري معقّدة ونظام إداري متطور اعتمد على “الأختام” لضبط الحراك الاقتصادي؛ وبالقرب منها، يبرز “تل حلف” (غوزانا) الذي يعود للعصر الحجري الحديث، ليكون مهد “حضارة تل حلف” الشهيرة بفخارها الملون الأخاذ ومنحوتاتها البازلتية المهيبة التي كانت تُزين المعابد والقصور.
تل براك وتل موزان.. مراكز القوة والروح
وعند مفترق الطرق التجاري الحيوي بين الحسكة والقامشلي، يشمخ “تل براك” (ناجار)، وهو حلقة وصل تجارية تعود للألفية الرابعة قبل الميلاد، ويشتهر عالمياً بـ “معبد العيون” الذي يعكس معتقدات فنية ودينية فريدة؛ أما “تل موزان” (أوركيش)، فقد كان القلب النابض للحضارة الحورية، بصفته العاصمة الدينية والسياسية، حيث وثقت الرُّقُم الطينية المكتشفة فيه شبكة معقّدة من العلاقات الدولية التي أدارها الحوريون آنذاك.
تل الفخيرية.. لغز العواصم الضائعة
يبرز “تل الفخيرية” شاهداً على صمود مذهل واستقرار بشري استمر 5000 عام (حتى عام 800 ميلادي). ويُعتقد على نطاق واسع أنّ هذا الموقع هو ذاته “واشوكاني”، العاصمة المفقودة للمملكة الميتانية، ممّا يجعله أحد أهم المراجع التاريخية لإثبات استمرارية الاستيطان الحضاري في المنطقة عبر العصور.
بعد سنواتٍ من الصراع والتعقيدات الميدانية التي أعقبت أحداث 2011، وسقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، شهد مطلع عام 2026 تحوُّلاً جذرياً في المشهد السياسي.
في 18 كانون الثاني 2026، وقّع الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، مع قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، اتفاقاً للاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، تضمن الاتفاق 14 بنداً أساسياً:
أصدرت الرئاسة السورية المرسوم رقم 13، الذي اعتبر “وثيقة مواطنة تاريخية” لإنهاء عقود من التهميش:
تتميّز الحسكة بتركيبة سكانية متنوعة إذ يقطنها نحو 1.5 مليون نسمة حسب تقديرات كانون الثاني 2026 .
تمثل الحسكة العمود الفقري للاقتصاد السوري بفضل تكامل مواردها النفطية والزراعية:
تعد قضية المياه في مدينة الحسكة من أكثر الملفات إيلاماً تفاقماً، فمنذ عام 2019، تحوّلت محطة “علوك” (التي تضم 30 بئراً ارتوازياً) إلى أداةٍ في الصراعات الدائرة، ممّا حرم أكثر من مليون نسمة من مياه الشرب المستدامة.
النزوح: سجلت تقارير “أوتشا” في 26 كانون الثاني 2026 نزوح أكثر من 170 ألف شخص عبر محافظات حلب والحسكة والرقة.
تستضيف مدينة القامشلي وحدها نحو 97,900 نازح، تليها المالكية بـ 32,000 نازح.
تستطيع أن تدخل الحسكة مرحلة “الانتقال من النزاع إلى التعافي المستدام” من خلال المبادرات الشعبية والوطنية الكبيرة والمستمرة:
الخلاصة:
محافظة الحسكة بعمقها الحضاري الذي يلامس فجر البشرية وبواقعها السياسي المتجدد حتى اللحظة، تظلّ أحد الأركان الأساسية في بناء سوريا الجديدة.
إنّ استمرار نجاح اتفاق الاندماج التاريخي الأخير، والاعتراف بالحقوق الثقافية للمكون الكردي، والبدء في تحضير وإطلاق حملات الإعمار الشعبية، يمثّل الضمانة الوحيدة لاستعادة دور “الجزيرة” كمنارةٍ للحضارة وسلة متنامية لخبز وكرامة السوريين جميعاً.


