مشاركات سوريا
“لا رقابة على الفكر إلا رقابة الضمير” هذا القول الذي يثير الضحك والحنق يجعلنا نتأمل التلاعب اللغوي الذي استخدمه الأسد الأب والد المخلوع، كما لو أنه يمنُّ علينا بأنه لن يراقب أفكارنا وأدمغتنا!. هل هناك دكتاتورية أوقح من هذه؟ لقد ربّى حافظ الأسد أجيالاً وأجيال ترضع الخوف والخضوع من أثداء أمهاتها، وزرع الذعر في أرواح الشعب وغسل عقولهم حتى تمكن منهم. لكن اليوم وبفضل الله عز وجل وتضحيات الأحرار يقف الشعب السوري لكي يقرر أن يغير دولة دامت عقوداً تحت ظل نظام مستبد، نظام لم يقتل وينهب ويرتكب الجرائم بحق المواطنين فحسب، بل قيد الأفكار وكمم الأفواه وفرض رقابة على الفن والأدب والإعلام بل وحتى العقل والخيال، نظام حجّم الإبداع وهمّش العلماء ورفض كل سوري يحلم ببناء دولة دون الأسد.
ومن بين الأسئلة التي لا حصر لها، نطرح سؤالاً سريعاً علّنا نجد إجابته من أصحاب الخبرة، ما هو دور الإعلام اليوم بعد سقوط الأسد؟ كيف سيكون دور الصحافة والكُتّاب؟ هل سنعود لحظيرة التقديس؟ أم نبالغ في الاعتراض والنقد؟؟ تختلف الآراء ولكن يبقى مضمونها واحد، وهو التغيّر في الحقل الإعلامي قادم لا محالة. وعلى كل كاتب، صحفي، دار نشر أو مجلة أو مدونة أن تستقبل التغيير بطريقة تلائم الوضع السوري، وتناسب الشارع السوري.
فمثلاً، لن يحترم الشعب مجلة تبدأ بالتحريض ونشر الفتن من أجل إبراز اختلافها، فهذه المجلة قطعاً لم تكن تجرؤ على إصدار صوت أثناء وجود النظام البائد، ولذا ليس من المقبول أن تصعد بسرعة بطريقة قاسية وتبدأ بالمعارضة والنقد وربما حتى تشويه صورة النظام السوري اليوم وخلق الفتن بين أفراد الشعب. فدور الإعلام هو مراقبة الحدث ثم عرضه على الجمهور بصدق وشمولية، دون التحيز أو التهميش، بل مجرد ذكر الخبر وكتابته، وهذا لا يعني أن كل وجهة نظر لكاتب هي بالضرورة أفكار المجلة نفسها ومبادئها، بل بكل بساطة تنشر مقالاً يعارض فكرة في الحكومة ثم تنشر مقالاً آخر يرد على من يعارض، وبالتالي هي لم تكمم الأفواه وفي نفس الوقت لم تقلل من هيبة الدولة وتسمح لكائن من يكن بالتعرض لها.
لن يقبل أي مواطن سوري من أي منصة إعلامية أن تهاجم الدولة ومنشآتها لمجرد الهجوم والتحريض، وإذا أرادوا النقد فعليهم عرض الأدلة والإثباتات والكتابة بطريقة محترفة لا تقودها العاطفة ولا المصالح الشخصية، ومن ثم يتقبلون كل ردود الأفعال بل ويردون عليها لينشأ حوار فعال حضارياً في مجال الإعلام. وبالتالي علينا ككُتّاب أن ندرك أن النقد لا يكون للهجوم، ولا لبث السموم أو نشر الفتن، بل هو للدفاع عن سوريا وعن الحكومة السورية بالمرتبة الأولى.
وعلى النقيض الآخر، لن يحترم الشعب منصة إعلامية مخضرمة، يجب عليها أن تكون محايدة ومحترفة في القيام بعملها الإعلامي، أن تقدّس وترفض أي نوع من أنواع التعارض أو الاختلاف بالأفكار والقرارات. سئمنا من التأليه والعبادة لغير الله، وعلى كل مجلة أو مدونة أن تتقبل مختلف الآراء، ومختلف الميول السياسية لمختلف الكُتّاب، بل هذا يزيد من مصداقيتها أولاً ومن حرية التعبير التي بدأت تنمو في أحشاء سوريا الجديدة ثانياً.
ليس من العدل المهني ولا الأخلاقي، أن تقزّم من دور كل الكُتّاب الناشئين والمخضرمين في سوريا وتقولبهم نحو فكرة واحدة، التمجيد للحكومة مهما أخطأت، وإيجاد الأعذار للقرارات مهما تقبّحت، والكتابة دون ضجر لصفحات وصفحات عن جمال الحكومة وفذاذتها وعبقريتها وأنها لا ترتكب الغلط ولا تخرج من السياق، كل هذه الأشياء هي مضحكة ومثيرة للشفقة تلائم إعلام النظام القديم الذي كان يصفق للنظام البائد رغم جرائمه. ولذا.. فالكتابة هنا هي مهمة صعبة، وعبء حقيقي على عاتق الكاتب والناشر على حد سواء لإبراز الصورة الحقيقية، والرد على كل من ينوي تشويهها إما بالمبالغة في الإطراء أو بالنقد اللاذع الكاذب.
اليوم، علينا أن نلتزم ضمن رقابة معينة، في خطة معينة، لرسم حقل إعلامي جديد يبرز صورة سوريا الجديدة الحرة المستقلة، سوريا التي ترفض النزاعات التي لا طائل لها، كما ترفض التمجيد غير المبرر. الإعلام اليوم، عليه أن يدرك كمؤسسات وكشخوص، أن دورهم في الكتابة والنشر هو بمثابة زرع بذرة صغيرة في رؤوس أفراد الشعب، وسيتم تضخيمها أو تهويلها أو نسفها حسب كل سوري، وهذا يعني أنهم مسؤولون عما يكتبون ويقولون وينشرون، فلا داعي للتخبط والتردد، لقد ولّى الزمن الذي كان فيه للجدران آذان..
صار التعبير عن آرائنا هو حقنا كسوريين أحرار شاركنا في خلع النظام البائد ونشارك في بناء سوريا الجديدة، ولأن سوريا تحتاجنا فمن واجبنا عليها أن ندافع عنها وحسب، عن هذه الأرض وهذه السماء التي نحتمي تحتها، ندافع بمصداقية وشفافية، دون أن نقدّس النظام الجديد ونغض أبصارنا عن أخطائه، ودون أن نترصد للتفاصيل السلبية ونقع في مغالطة الأحمق الذي ينظر للإصبع ويتغافل عن القمر. من واجبنا أن نقدم كل ما نملك، من قلم حر وعقل أخلاقي ومهنية احترافية، لنكتب عن سوريا الحرة الجميلة.




