سياسة
في المدن التي خرجت لتوّها من تحت ركام الحرب، لا تكون إعادة الإعمار مجرّد عملية هندسية، بل اختباراً عملياً لمدى قدرة الجهات الحاكمة على ملامسة واقع الناس. فبين أنقاض البيوت المهدّمة وتعب السنوات الطويلة، يبحث السكان عن فرصةٍ للعودة إلى حياةٍ طبيعية، ولو بالحد الأدنى. وهنا تحديداً، تلعب السياسات المرتبطة بالبناء والترخيص دوراً حاسماً: إمّا أن تكون جسراً نحو التعافي، أو حاجزاً يؤجل هذه العودة إلى أجلٍ غير معلوم.
قبل الوصول إلى الأرقام والرسوم، لا بدّ من التذكير بحجم الكارثة التي أصابت البنية السكنية في الرقة. المدينة تعرّضت لدمارٍ واسع على مراحل: قصف من قبل النظام السوري وحليفه الروسي، ثمّ معركة شرسة قادها التحالف الدولي وحليفته “قوات سوريا الديمقراطية” عام 2017 أثناء طرد تنظيم “داعش”، وانتهت بتسوية أحياء كاملة بالأرض. النتيجة كانت تدمير ما يزيد عن 80% من المباني السكنية والخدمية، بحسب تقارير صادرة عن منظمات دولية، بينها منظمة العفو الدولية، في واحدةٍ من أكثر صور الدمار كثافة وقسوة في سوريا. ورغم هذا الحجم الهائل من الخراب، لم تشهد المدينة لاحقاً جهوداً بنيوية متكاملة تعيد تأهيل بنيتها الأساسية أو تخفف من آثار الكارثة على السكان.
في ظلّ هذا الواقع الممتد من الدمار، جاءت مرحلة سيطرة “قسد” كسلطة أمر واقع امتدت لأكثر من ثمان سنوات، كان يُفترض خلالها أن تتحوّل الأولويات نحو إعادة الإعمار وترميم ما يمكن إنقاذه. إلا أنّ الواقع، كما يراه كثير من أبناء الرقة، سار في اتجاهٍ مختلف. فعلى الرغم من السيطرة على موارد اقتصادية حيوية، من النفط والغاز إلى المحاصيل الاستراتيجية، لم تنعكس هذه الإمكانات على تحسين البنية التحتية أو إطلاق مشاريع خدمية جوهرية تعيد الحد الأدنى من الحياة إلى المدينة.
لم تشهد الرقة خلال تلك السنوات خطة إعمار حقيقية، ولا استثمارات في قطاعاتٍ أساسية كالمياه والكهرباء والصرف الصحي، فضلاً عن غياب مشاريع إسكان منظّمة تستجيب لحجم الدمار الكبير. وبقيت معظم الجهود، إن وُجدت، محدودة ومجزأة لا ترقى إلى مستوى التحدي، ما عمّق الفجوة بين الموارد المتاحة ومستوى الخدمات المقدمة.
في هذا السياق، لا يمكن فصل المشهد الحالي عن التحوُّلات التي شهدتها المدينة مؤخراً، حيث انتقلت من مرحلة سلطة الأمر الواقع إلى مرحلة الدولة والمؤسسات، وسط خطاب سياسي جديد يرفع عناوين إعادة البناء والانفتاح. غير أن هذا التحوُّل، الذي رافقه قدر من التفاؤل لدى السكان، سرعان ما اصطدم بواقع اقتصادي ضاغط، تمثل في ارتفاع تكاليف البناء وتزايد الرسوم المرتبطة بالإعمار، في وقتٍ ما تزال فيه البنية التحتية تعاني من هشاشتها القديمة.
هذا التباين بين الوعود والنتائج يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة إدارة الموارد وأولويات الإنفاق. فحين تتوفر مصادر دخل دون أن تنعكس على إعادة تأهيل مدينة مدمرة، يصبح من الصعب تبرير فرض أعباء إضافية على السكان. وبذلك، لا تبدو أزمة رسوم البناء في الرقة مجرد قرار إداري معزول، بل امتداداً لنهج أوسع تتقدم فيه اعتبارات الجباية على حساب إعادة الحياة.
في الرقة، تصل التكلفة الإجمالية لرخصة البناء إلى نحو 20 دولاراً للمتر المربع الواحد، وهي قفزة يصعب تفسيرها كفارق إداري طبيعي، خاصة أنّ هذه الرسوم، قبل أشهر قليلة فقط، كانت لا تتجاوز دولارين للمتر الواحد.
في هذا السياق، يقدّم المهندس رجب الخلف من الرقة قراءة فنية متكاملة لهذه الفروقات، مشيراً إلى أنّ الجدل الدائر حالياً حول رسوم تراخيص البناء، ولا سيما رسوم نقابة المهندسين (الدراسة والإشراف)، يستند إلى آلية واضحة تقوم على اقتطاع نسبة 3% من الكلفة التقديرية للمتر المربع الواحد.
ويؤكّد الخلف أن المشكلة لا تكمن في رسوم النقابة بقدر ما ترتبط بالرسوم البلدية، التي يصفها بأنّها “مرتفعة بشكلٍ مبالغ فيه وغير منطقي”، ولا تعكس الواقع الاقتصادي والمعيشي للسكان في المدينة.
وللمقارنة، يوضّح الخلف أنّ تكلفة المتر المربع لصالح نقابة المهندسين خلال فترة حكم النظام السابق كانت تُقدّر بنحو 6.7 دولارات، بينما لا تتجاوز اليوم سقف 4% وفق قرارات النقابة المركزية، ما يعني – بحسب تعبيره – أنّ العبء الأكبر لا يأتي من رسوم النقابة، بل من الرسوم البلدية.
ويرى الخلف أنّ هذه الرسوم المرتفعة تشكّل عائقاً حقيقياً أمام حركة البناء وإعادة الإعمار، في مدينة ما تزال تعاني من آثار الحرب وتراجع القدرة الشرائية للسكان.
وفي سياق متصل، يلفت الخلف إلى أنّ الرسوم البلدية تُفرض أساساً مقابل خدمات يفترض أن تقدمها البلدية في محيط موقع البناء، مثل شبكات الصرف الصحي والمياه والكهرباء، إضافة إلى تعبيد الطرق وإنشاء الأرصفة وتمديد الهاتف الأرضي، إلا أنّه يشير إلى غياب هذه الخدمات بشكلٍ فعلي، مع استمرار تهالك البنى التحتية الأساسية.
وبالعودة إلى فترة سيطرة “قسد” على المدينة، يشير الخلف إلى أنّ قطاع الإسكان شهد تجاوزات واسعة، تمثّلت في مخالفات بناء وتعديات على الشوارع، نتيجة انتشار الفساد والرشاوى والمحسوبيات، ما أدى إلى تشوه عمراني وبصري في نمط البناء. ويصف ذلك بـ“الجرائم العمرانية”، مؤكّداً أنّ الرقة لم تشهد نهضة عمرانية حقيقية، بل “نهضة تخريبية” على حد تعبيره.
ولا يمكن فصل هذه الأعباء عن الارتفاع المتوازي في أسعار مواد البناء، الذي يضاعف الضغط على السكان، إذ ارتفع سعر الإسمنت من نحو 115 دولاراً للطن إلى قرابة 140 دولاراً، كما قفز سعر البحص من 60 دولاراً إلى 105 دولارات للشحنة الواحدة، في حين بقي الحديد مستقراً نسبياً عند حدود 670 دولاراً للطن، ما يجعل كلفة إعادة بناء منزل واحد مهمة شبه مستحيلة بالنسبة لكثيرٍ من العائلات.
وفي توضيحه حول ورقة حساب جرى تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قال الخلف إنّ رسوم نقابة المهندسين تبلغ نحو 55 مليون ليرة سورية كأجور دراسة هندسية، إضافة إلى نحو 30 مليون ليرة كأجور إشراف.
وبيّن أن رسوم الترخيص البلدية لمقسم بمساحة 500 متر مربع بنسبة بناء 45%، وبمساحة طابقية إجمالية تبلغ 1776 متراً مربعاً مخصص لبناء من ستة طوابق، تصل إلى نحو 34,500 دولار، ما يرفع إجمالي الرسوم إلى قرابة 42,500 دولار لمثل هذا المشروع. وأضاف أنّ رسوم الترخيص البلدية وحدها تعادل قرابة 20 دولاراً للمتر المربع الواحد، وهو رقم يعكس حجم العبء المالي المفروض على عمليات البناء في المدينة.
وأشار إلى أنّ هذا العبء لن يتحمّله المقاول وحده، بل سينعكس مباشرة على كلفة المبيع النهائية، ما يعني ارتفاع أسعار العقارات وصعوبة أكبر في تملك السكن.
في المقابل، جاء توضيح رئيس مجلس مدينة الرقة، عبد الرحمن الحسن، في مقطع مصوّر، في محاولة لحسم الجدل الدائر حول رفع رسوم ترخيص البناء، حيث أشار إلى أنّ احتساب الرسوم يتم كسلفة على التقييم المبدئي. غير أنّ هذا التوضيح، بدلاً من تبديد المخاوف، يساهم في تعميقها.
ففي الجوهر، تضع هذه الآلية السوق أمام نتيجة شبه محسومة: ارتفاع أسعار الشقق وترحيل الكلفة النهائية إلى المشتري. بمعنى آخر، سواء استمر العمل بالرسوم المرتفعة، أو جرى التراجع عنها لاحقاً بعد انتهاء لجنة المالية من التقييم العقاري، فإنّ الخاسر في الحالتين يبقى المواطن.
في الحالة الأولى، ستُسعَّر الشقق منذ البداية وفق كلفة مرتفعة، ما يرهق قدرة السكان على التملك ويؤخر تعافي السوق. أمّا في الحالة الثانية، وحتى مع خفض الرسوم لاحقاً، فإنّ أيّ فروقاتٍ مالية ستُعاد إلى المقاول، لا إلى المشتري الذي يكون قد دفع فعلياً السعر الأعلى.
في المحصلة، تتكرّس مفارقة لافتة: المواطن يتحمّل عبء المخاطرة كاملاً، فيما تبقى أيّ تصحيحاتٍ لاحقة خارج نطاق مصلحته.
تشير هذه الأرقام بطبيعتها إلى مستوى مرتفع لتكاليف ترخيص البلدية مقارنةً بالعديد من المحافظات السورية الأخرى، وهو ما يضاف إلى الارتفاع المتزامن في أسعار مواد البناء، ما يضاعف العبء على القوة الشرائية للسكان ويحدّ من قدرتهم على الإقدام على مشاريع البناء أو إعادة الإعمار.
في هذا السياق، يتصاعد سخط شعبي واضح بين أبناء الرقة، لا بوصفه انفعالاً عابراً، بل كترجمةٍ مباشرة لفجوةٍ عميقة بين السياسات المفروضة وواقع الناس. كثيرون باتوا يرون في رخصة البناء عائقاً إضافياً يثقل كاهل المدينة ويؤخر أيّ مسارٍ فعلي للتعافي العمراني.
المفارقة أنّ المنطق الاقتصادي في حالات ما بعد النزاعات يسير بالاتجاه المعاكس تماماً، حيث تحتاج المناطق الأكثر تضرراً إلى حوافز استثنائية تشمل تخفيض الرسوم والإعفاءات المرحلية، بهدف تحريك عجلة الإعمار. أمّا تحميل السكان كامل فاتورة التعافي، فيعني عملياً إبطاء هذه العملية وربما تعطيلها.
ما يجري في الرقة يعكس خللاً أعمق من مجرّد أرقام مرتفعة، بل خللاً في تعريف دور السلطة المحلية: هل هي جهة تنظيم ودعم، أم جهة جباية؟ وحين تُقدَّم الإيرادات على حساب إعادة الحياة، تصبح السياسات نفسها جزءاً من المشكلة لا من الحل.
فالإعمار ليس قراراً مالياً فقط، بل رؤية متكاملة تبدأ من الناس وتنتهي بهم.
في النهاية، لا يكمن السؤال الحقيقي في حجم الرسوم، بل في الغاية منها: هل المطلوب إعادة المدن إلى الحياة، أم تحويل أنقاضها إلى مورد دائم للجباية؟
الإجابة عن هذا السؤال وحدها كفيلة بتحديد إن كانت الرقة تسير نحو التعافي، أم أن تعقيدات الواقع المحلي ستُبقيها في دائرة التأخر.

