سياسة

مجزرة البيضا.. جريمة لم تُطوَ صفحاتها

مايو 2, 2026

مجزرة البيضا.. جريمة لم تُطوَ صفحاتها

محمد نبهاني

تُعدّ مجزرة البيضا واحدة من أكثر الجرائم دموية في سياق الحرب السورية، إذ شكّلت نموذجًا مكثفًا للعنف الممنهج ضدّ المدنيين، وقعت المجزرة في أيار/مايو 2013 في قرية البيضا التابعة لمدينة بانياس، حيث قُتل مئات المدنيين خلال ساعاتٍ قليلة، في مشهدٍ يختزل مأساة أوسع عاشتها البلاد.

لم تكن البيضا معزولة عن محيطها، بل جاءت المجزرة في سياق تصعيد أمني وعسكري شهدته منطقة الساحل السوري، حيث تحوّلت بانياس إلى نقطة احتكاك بين السلطة والمعارضة. الطبيعة الديموغرافية الحساسة، إلى جانب الموقع الاستراتيجي، جعلا من المنطقة بيئة قابلة للاشتعال. ومع تزايد الاحتجاجات، دخلت القوى الأمنية والعسكرية في مواجهاتٍ اتّسمت بالقسوة، حتى بات واضحًا أنّ القرى لم تعد مجرّد تجمعاتٍ سكانية، بل أهدافًا محتملة. في مثل هذه السياقات، حين تتقاطع الجغرافيا مع الانقسام، تتحوّل القرى إلى مساحاتٍ هشّة، ويصبح المدنيون في قلب العاصفة.

 عنف بلا حدود

بدأت الأحداث بحصارٍ وقصف مدفعي مكثف استهدف الأحياء السكنية، ما خلق حالةً من الذعر الجماعي، قبل أن تتقدّم القوات المهاجمة إلى داخل القرية. هنا، لم تعد العملية ذات طابعٍ عسكري تقليدي، بل تحوّلت إلى سلسلةٍ من عمليات القتل المباشر. تشير شهادات الناجين إلى أنّ عائلات بأكملها جُمعت داخل منازلها، ثم أُعدمت، فيما أُحرقت جثث بعض الضحايا في محاولة لطمس الأدلة. في هذا المشهد، لم يكن الموت عابرًا أو نتيجة اشتباك، بل كان مقصودًا وممنهجًا، يُنفّذ بوعيٍ كامل بطبيعة الهدف. البيوت التي كانت ملاذًا تحوّلت إلى أماكنَ للموت، وكأنّ فكرة الأمان نفسها قد أُعدمت مع أصحابها.

وتتفاوت التقديرات حول عدد الضحايا، وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش إعدام 248 شخصاً على الأقل، بينهم 23 امرأة و14 طفلاً، في البيضا وبانياس في الثاني والثالث من أيار من عام 2013. في حين وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 459 مدنيًّا، بينهم 92 طفلًا و71 امرأة، رغم اختلافها، تعكس حجم الكارثة، لكنّها في الوقت ذاته تظلّ قاصرة عن نقل المعنى الكامل للفاجعة.

مرتكبو المجزرة: ما بين التوثيق والاتهام

وفق ما نقلته تقارير إعلامية ومنظمات حقوقية، فقد نفّذ المجزرة قواتٌ حكومية مدعومة بميليشياتٍ محلية. وأشارت جهات مثل هيومن رايتس ووتش ورويترز إلى أنّ ما جرى لم يكن نتيجة فوضى ميدانية، بل عملية تحمل طابعًا منسّقًا، مع وجود أوامر واضحة بالتصفية. هذا التوصيف يعزّز فكرة أن المجزرة كانت قرارًا نُفّذ بدمٍ بارد، ضمن سياق أوسع من العنف الممنهج. فحين يصبح القتل منظّمًا، تتحوّل الجريمة إلى سياسة، لا مجرّد حادثة.

وفي تموز/يوليو 2025، أعلنت وزارة الداخلية السورية القبض على أنور الريحان ووالده عادل أحمد الريحان في محافظة اللاذقية. ووفق البيان الرسمي، فإنّ المتهمين متورطان في سلسلةٍ من الانتهاكات، من بينها قمع مظاهرات سلمية في جسر الشغور، وتنفيذ حملات مداهمة وتصفيات، إضافة إلى التورط في مجزرة البيضا نفسها.

بالتوازي مع ذلك، بدأت ملامح مسار أوسع للعدالة الانتقالية بالظهور، مع انطلاق أولى المحاكمات التي طالت شخصيات مرتبطة بمرحلة القمع الأمني، ومن بينها عاطف نجيب، في خطوة تُعد مؤشرًا على محاولة فتح ملفات الانتهاكات بشكلٍ مؤسسي. ورغم أنّ هذه المحاكمات لا تزال في بداياتها، فإنّها تطرح أفقًا جديدًا، حيث لم يعد الحديث مقتصرًا على التوثيق، بل بدأ ينتقل تدريجيًّا إلى ساحة القضاء. العدالة هنا لا تُقاس فقط باعتقال أفراد، بل بقدرتها على الاستمرار والتوسع، إذ يبقى انتظار محاكمات أخرى جزءًا من هذا المسار الذي لم يكتمل بعد.

دلالات الاعتقال: بين العدالة والانتقائية

يثير هذا الاعتقال، إلى جانب بدء بعض المحاكمات، تساؤلات معقّدة حول طبيعة المرحلة المقبلة. فهل نحن أمام تحوُّل فعلي نحو المساءلة، أم أمام خطوات محدودة ضمن سياق سياسي أضيق؟ العدالة لا تُقاس بعدد الموقوفين، بل بقدرتها على الوصول إلى الحقيقة كاملة، بما يشمل المستويات القيادية التي قد تكون أصدرت الأوامر. ومع ذلك، فإنّ كسر حاجز الإفلات من العقاب، ولو جزئيًّا، يظلّ تطورًا مهمًّا، لأنّه يعيد طرح فكرة أنّ المساءلة ممكنة، حتى بعد سنوات من الصمت.

تعتمد ملاحقة المتورطين في جرائمّ الحرب على تراكم الأدلة عبر الزمن، من شهاداتِ ناجين إلى وثائقّ وصورٍ ومقاطع مصوَّرة. في حالة مجزرة البيضا، لعبت هذه العناصر دورًا محوريًا في توثيق ما جرى، ما يجعل كلّ شهادةٍ بمثابة وثيقة اتّهام، وكلّ صورة ذاكرة لا يمكن محوها. كما أنّ تطور مفهوم الولاية القضائية العالمية أتاح إمكانية ملاحقة المتهمين خارج حدود الدولة، ما يفتح الباب أمام مسارات متعددة للعدالة، حتى في ظلّ التعقيدات السياسية.

بعد أكثر من عقدٍ على وقوعها، ما تزال مجزرة البيضا قضية مفتوحة، تتقاطع فيها السياسة بالقانون، والذاكرة بالواقع. الاعتقالات الأخيرة، وبداية بعض مسارات المحاكمة، قد تُمثّل خطوةً أولى في طريقٍ طويل، لكنّها ليست النهاية. فالعدالة التي تبدأ بخطوةٍ تحتاج إلى إرادةٍ للاستمرار، وإلى شفافيّةٍ تضمن عدم توقّفها في منتصف الطريق، وبين الأمل والحذر، يبقى الانتظار قائمًا: انتظار أن تتحوّل هذه البدايات إلى مسارٍ متكامل لا يستثني أحدًا من المساءلة.

شارك

مقالات ذات صلة