آراء

“الرقص مع الذئاب” حين يصبح اللعب في الخفاء جزءًا من السياسة.

سبتمبر 28, 2026

“الرقص مع الذئاب” حين يصبح اللعب في الخفاء جزءًا من السياسة.

عالم السياسة ليس ساحةً مكشوفة وواضحة تُعلَن فيها النوايا الخفية، ولا طريقًا يعرف المرء فيه نهايته من بدايته، بل مساحة من الغموض تتداخل فيها المصالح وتتبدَّل فيها التحالفات، ومن هنا يبرز في ذهني معنى “الرقص مع الذئاب”، فأنت كسياسي  تتحرَّك بين أطرافٍ لكلٍّ منهم لهم حساباته وغاياته، وقد لا يكشف ظاهر الكلام عن حقيقة الموقف، ومن يدخل هذا المجال بحسن نيةٍ مجرَّدة من الحذر، قد يكتشف متأخرًا أنَّ الطرف الآخر قد قرأ المشهد بطريقةٍ مختلفة، والحذر هنا لا يعني سوء الظنِّ بالجميع، بل فهم البيئة التي يتحرَّك فيها السياسي، وأن يزن الكلمات والمواقف والخطوات قبل أن يمنح ثقته أو يكشف أوراقه،  فالسياسي الحصيف لا يكتفي بسماع ما يقال، بل يتأمل توقيت القول، والظرف الذي قيل فيه، والمصلحة التي قد تقف خلفه،  وكما يدرك أنَّ الصمت قد يكون موقفًا جيداً، وأنَّ التأجيل قد يكون مناورة، وأنَّ بعض الوعود لا تُفهم إلا بالنظر إلى ما يحيط بها من مصالح وتوازنات معقَّدة.

ومن أمثلة الدهاء السياسي عند العرب قديماً  عمرو بن العاص، الذي ارتبط اسمه بقدرته على قراءة اللحظة، وبرز دوره في التحكيم بعد معركة صفين، حين أصبح رفع المصاحف وما تبعه من تفاوض حدثًا مفصليًّا في الصراع، ومهما اختلفت الروايات والتقييمات حول تفاصيل الواقعة، فإنَّها تكشف كيف يمكن لرمز أو مبادرة أن تغيِّر اتجاه المواجهة السياسية و العسكرية، وتنقل الخصومة من ميدان القوة إلى ميدان التفاوض والتداولات، ومثال آخر وهو المغيرة بن شعبة، الذي عُرف بمرونته وحسن تدبيره، واستطاع أن يحافظ على موقعٍ مؤثِّر في أوقات مختلفة، مستفيدًا من فهمه لموازين القوى ومن قدرته على اختيار التوقيت والعبارة المناسبة، وتُعلِّمنا هذه الأمثلة أنَّ الحيل السياسية والدهاء قد تكون أدواتٍ لقراءةٍ دقيقة للظروف، واختيارًا للحظة المناسبة، وقد تكون توظيفًا للكلام والرموز لتحقيق غاية. ولا تكمن دلالتها في تمجيد الخداع، بل في إدراك أنَّ السياسة تحتاج إلى بصيرةٍ بالناس والظروف، وأنَّ ظاهر الموقف لا يكشف دائمًا عن حقيقته.

ومن هنا أرى أنَّ الرقص مع الذئاب لا يعني أن نصبح ذئابًا، بل أن ندرك أنَّنا نتحرك أحيانًا في بيئةٍ لا تكفي فيها النوايا الطيبة ولا وضوح الكلام وحدهما،  فالسياسة مبنيةٌ على قدرٍ من “سوء الظن” للغموض الذي فيه، ولهذا ينبغي الحذر في كلِّ خطوة، والانتباه إلى المصالح التي تحرِّك المواقف، والتمييز بين التحالف الذي يصمد والاتفاق الذي ينتهي بانتهاء الحاجة إليه،  وكما ينبغي ألا نخلط بين الدهاء والحكمة وبين المراوغة التي تهدم الثقة، فالصمت ليس ضعفًا بالضرورة، ولا كلُّ تصريحٍ مباشر شجاعة، ولا كلُّ ابتسامةٍ دليل على مودة مبنية، ومن يدخل حقل العلاقات السياسية أو العامة بلا تقدير للعواقب، قد يجد نفسه يدفع ثمن خطوة لم يدرس نتائجها، أو يثق بطرفٍ لم يختبر ثبات موقفه، لذلك فإنَّ فهم السياسة يبدأ من قراءة ما يقال وما لا يقال، ومعرفة متى نتقدَّم ومتى نحجم، وكيف نحتفظ ببوصلةٍ أخلاقية تمنعنا من أن نفقد أنفسنا ونحن نحاول النجاة في هذا الرقص.

شارك

مقالات ذات صلة