فنون
وسيم محمد علي
بلغت نسبة نمو التبادل التجاري خلال النصف الأول من العام الجاري 26.4٪ مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، رقم يتصدّر تصريحات المسؤولين والاقتصاديين بوصفه دليلاً على مسار اقتصادي واعد يقترب تدريجياً من هدف العشرة مليارات دولار المُعلن رسمياً. غير أن قراءة هذا الرقم بمعزل عن أثره الداخلي تحوّله إلى واجهة تُخفي أكثر مما تُظهر. فالرقم يقيس حجم الحركة التجارية، لكنه لا يقول شيئاً عن هوية المستفيد منها، ولا عن الثمن الذي دفعه جزء من الإنتاج المحلي مقابل هذا النمو.الانفتاح التجاري مع دول الأطراف والحلفاء، وتخفيف القيود الجمركية والإدارية التي كانت تُثقل حركة السلع، خطوة تندرج ضمن منطق اقتصادي سليم من حيث المبدأ. تحرير التجارة يوسّع خيارات المستهلك، ويضغط على الأسعار باتجاه التنافسية، ويعيد ربط الاقتصاد المحلي بسلاسل الإمداد الإقليمية بعد سنوات من العزلة. هذا الجانب يستحق التقدير لا التشكيك.المشكلة تكمن في الجانب المقابل الذي جرى التحذير منه مسبقاً: تدفّق السلع بهذه الوتيرة، من دون مرافقة سياسات صناعية تحمي القاعدة الإنتاجية المحلية، أدى إلى إزاحة تدريجية لجزء من المنتجين المحليين من السوق. اقتصاد يخرج من مرحلة انكماش طويلة يحتاج نافذة زمنية وأدوات دعم مدروسة قبل أن يُترك لمواجهة منتجات دخلت السوق بأسعار وتقنيات إنتاج تراكمت عبر عقود من الاستقرار. المنافسة العادلة تفترض تكافؤاً أولياً في الفرص، وهذا التكافؤ غائب حالياً عن المشهد.
الأدوات المتاحة لتحقيق هذا التكافؤ معروفة ومجرّبة في اقتصادات مرّت بمراحل انفتاح مشابهة: تعرفة جمركية تدريجية التراجع بدل الإلغاء الفوري، تمويل ميسّر لتحديث خطوط الإنتاج، إعفاءات ضريبية مرتبطة بجدول زمني واضح لا مفتوح، ومعايير جودة إلزامية تُطبَّق على المستورد والمحلي معاً بدل أن تبقى عبئاً على الطرف الأضعف وحده.
المفتاح هنا هو الربط الصريح بين أي حماية وبين مؤشر أداء قابل للقياس، بحيث لا تتحوّل الحماية المؤقتة إلى امتياز دائم يُكرّس الكسل الإنتاجي بدل أن يعالجه. حماية بلا سقف زمني تتحوّل عادة إلى ريع يحمي رأس المال لا الإنتاجية، وهذا فخ وقعت فيه اقتصادات كثيرة حاولت حماية صناعاتها الناشئة من دون شرط أداء واضح.
ببساطة، هذا ما تفعله السوق الحرة: آلية تدفع الرديء من حيث السعر والجودة خارج حلبة المنافسة، وتُبقي المنتج القادر على المواكبة. هذا الحال يضع الكرة في ملعب المنتج المحلي بقدر ما يضعها في ملعب صانع السياسة. فالحماية المؤقتة ليست بديلاً عن رفع الكفاءة الإنتاجية، بل مساحة زمنية لتحقيقها، ومن دون استثمار حقيقي في هذه المساحة يتحوّل الدعم إلى مسكّن مؤقت لا يعالج جذور المشكلة.
وهذا ما يقودني إلى الشق الثاني من النقد، وهو الأكثر إلحاحاً على المستوى المحلي: تدنّي جودة جزء واسع من المنتجات المحلية بشكل بات مستفزاً لأي مستهلك يقارن بين الخيارات المتاحة له اليوم. غياب معايير قياسية صارمة للجودة، وضعف الاستثمار في خطوط الإنتاج والتغليف، واعتماد كثير من المُصنّعين على هوامش ربح قصيرة الأجل بدل بناء سمعة تجارية طويلة الأمد، عوامل أنتجت مجتمعة فجوة متسعة بين ما يُنتج محلياً وما يتوقعه المستهلك.
يظهر هذا بوضوح في قطاعات بسيطة كالمواد الغذائية المعلّبة والمنسوجات ومستلزمات المنازل، حيث يفضّل المستهلك المنتج المستورد ليس لأنه أرخص بالضرورة، بل لأن التغليف أكثر احترافاً والجودة أكثر ثباتاً من دفعة إنتاج إلى أخرى. النتيجة عزوف متزايد عن المنتج المحلي، ليس بدافع “الانبهار بالمستورد” كما يُختصر النقاش أحياناً، وإنما بدافع طبيعي بحت هو البحث عن قيمة أفضل مقابل السعر المدفوع.
يتقاطع هذا الواقع مع تحوّل أعمق في ثقافة الاستهلاك، خصوصاً بين الشرائح الشابة. جيل نشأ على مقارنة السلع عبر الإنترنت، ويطّلع بشكل يومي على معايير الجودة والتغليف والعلامة التجارية في أسواق أخرى، يصعب أن يتعامل مع “الولاء للمنتج المحلي” كقيمة كافية لتبرير شراء سلعة أقل جودة. هذه ليست ظاهرة اقتصادية بحتة، إنما عبارة عن امتداد لتحوّل اجتماعي أوسع في أنماط الاستهلاك يستحق قراءة مستقلة من زاوية علم الاجتماع، لفهم كيف أعادت هذه الأنماط تشكيل علاقة المستهلك بالسلعة وبالهوية في آن واحد.
أنصح من يريد فهم هذه الظاهرة من جذورها، لا من انعكاساتها الرقمية فقط، بالعودة إلى أدبيات علم الاجتماع المتعلقة بثقافة الاستهلاك.
العودة إلى رقم الـ26.4٪ بعد هذا كله تكشف عن مفارقة أساسية: الرقم بحد ذاته مؤشر إيجابي على مستوى الانفتاح والتبادل التجاري، لكنه لا يقيس أثره على نسيج الإنتاجي المحلي، ولا يعكس عدد المنشآت التي أُغلقت أو قلّصت نشاطها خلال الفترة نفسها. خطاب رسمي يحتفي بحجم التبادل التجاري وحده، من دون مؤشر مقابل يقيس صمود القطاع الصناعي المحلي أو مستوى التشغيل فيه، خطاب يقدّم نصف الصورة فقط ويترك النصف الآخر خارج نطاق التداول.
الخلاصة ليست دعوة لإغلاق الأسواق أو التراجع عن اتفاقيات التبادل التجاري، فهذا مسار غير واقعي وغير مرغوب اقتصادياً بأي مقياس. الانفتاح التجاري يحتاج مساراً موازياً من السياسة الصناعية: دعماً مؤقتاً ومشروطاً للمنتج المحلي مرتبطاً برفع الجودة كهدف صريح لا كشعار تسويقي، واستثماراً حقيقياً في معايير القياس والمطابقة والتغليف، وربطاً لأي حديث عن أرقام التبادل التجاري بمؤشرات موازية تقيس أثره على الإنتاج والتشغيل المحليين.
من دون هذا المسار الموازي، سيبقى الرقم المُحتفى به اليوم مؤشراً على انفتاح اقتصادي يتحقق جزئياً على حساب قاعدة إنتاجية كانت أصلاً على شفا الاندثار، بينما يستمر المستهلك في اتخاذ قراره وفق طبيعة السوق لا وفق واقع الخطاب الرسمي. والفارق بين الخطابين هو بالضبط ما يفصل بين رقم يُقرأ في نشرة رسمية، وواقع يُقاس في محل تجاري صغير أغلق أبوابه هذا العام.

