فنون
“Dead Again” أو “الموت مرَّة أخرى” هو فيلم إثارةٍ وغموض مملوءٌ بالتشويق، وقد استمتعت بمشاهدته كثيرًا، لأنَّه ذكّرني بأفلام المخرج “ألفريد هيتشكوك”، وتحديدًا فيلميه الرائعين: “Rebecca” و”Vertigo”.
الفيلم من إنتاج عام 1991، وقد أخرجه “كينيث برانا”، وهو مستوحى جزئيًّا من الفيلم الهندي “Kudrat”، الذي تمَّ إنتاجه في عام 1981، وقد قام “سكوت فرانك” بكتابة النَّص السينمائي للفيلم بشكلٍ متميز، واستطاع هنا أن ينقلنا بين الماضي والحاضر بكلِّ سلاسة.
في الوقت الحاضر لأحداث القصة، نكون مع “مايك تشرتش”، وهو محقِّق متخصِّص في تعقّب الأشخاص المفقودين، و”غريس”، وهي امرأةٌ فقدت ذاكرتها. في الماضي، وتحديدًا في أربعينيّات القرن الماضي، نفس الشخصين هما “رومان شتراوس”، وهو موسيقار، و”مارغريت”، وهي زوجته الجديدة، فكيف تترابط قصتاهما بين الحاضر والماضي، وكيف لهما أن يتواجدا في زمنين مختلفين بنفس الوجه ولكن بهويةٍ مختلفة؟!
البناء الدرامي يتصاعد بذكاءٍ شديد، وكلُّ اكتشافٍ يقود إلى لغزٍ أعمق، وكلُّ إجابةٍ تفتح بابًا لاحتمالٍ جديد، وهنا يتجلّى تأثير المدرسة الهيتشكوكية بوضوح: لا أحد بريءٌ تمامًا، ولا أحد مذنبٌ بالكامل، والمُشاهِد يجد نفسه متورِّطًا عاطفيًّا في محاولة فكّ الألغاز، وكأنّ الفيلم يختبر حدسه وقدرته على الربط بين الخيوط المتناثرة عبر زمنين مختلفين.
والأمر المبهر في الفيلم هو قيام المخرج “كينيث برانا” بجعل مشاهد الماضي بالأبيض والأسود، بحيث يفصل بين الزمنين بشكلٍ واضح، ولا يشتِّت المُشاهد إطلاقًا، بل يمنح الماضي مسحة كلاسيكية تزيد من سحره وغموضه.
الموسيقى التصويرية لـ “باتريك دويل” ساهمت في إثراء مشاهد الفيلم بالريبة والغموض والتَّشويق، والمستوى الفني للفيلم بشكلٍ عام يستحقُّ الإشادة.
الفيلم من بطولة “كينيث برانا” بشخصيتَيْ “مايك تشرتش” و”رومان شتراوس”، و”إيما تومبسون” بشخصيتَيْ “غريس” و”مارغريت”، وقد قدّما أداءً رائعًا، وشاركهما في البطولة نخبة من الممثِّلين، وأبرزهم: “ديريك جاكوبي” بشخصيَّة “فرانكلين مادسون”، و”روبن وليامز” بشخصيَّة الدكتور “كوزي كارلايل”، و”أندي غارسيا” بشخصيَّة “غري بيكر”.
بلغت ميزانية إنتاج الفيلم 15 مليون دولار، وقد حقَّق نجاحًا لافتًا، بإيراداتٍ تزيد عن 38 مليون دولار في شباك التذاكر في أمريكا، حيث أبهر النُّقاد والجمهور.
إنَّه بلا شك واحد من أبرز أفلام الإثارة النفسية في التسعينيّات، بحبكةٍ مُحكمة لا تكفّ عن مفاجأتنا بالتحوُّلات الصادمة والمنعطفات غير المتوقعة التي تُبقينا في حالة ترقُّب دائم من البداية حتى النهاية.
أثناء إنتاج هذا الفيلم، اكتشفت المنتجة “ليندسي دوران” أنَّها تتشارك مع البطلة “إيما تومبسون” في حبِّ أعمال الكاتبة الروائية “جين أوستن”، وقد دفعها ذلك إلى أن تطلب من “إيما تومبسون” كتابة النَّص السينمائي باقتباس الرواية الشهيرة “Sense And Sensibility” أو “عقل وعاطفة”، ليكون مشروعها السينمائي التالي، وقد تمَّ إنتاج الفيلم في عام 1995، وحقَّق نجاحًا كبيرًا ونال إشادةً واسعة، وهو بالنسبة إلي واحدٌ من أعظم 10 أفلام شاهدتها في حياتي، وفازت عنه “إيما تومبسون” بجائزة الأوسكار لأفضل نصٍّ سينمائي مقتبس، كما ترشَّح الفيلم لعدَّة جوائز أوسكار أخرى، ومنها لأفضل فيلم.

