مجتمع
علي البرغوث
في لحظات التحوُّل التاريخي والصِّراعات الفاصلة، تصبح العدسة سلاحاً لا يقل ضراوةً عن الميدان، وتتحوَّل الكاميرا إلى وثيقةٍ تاريخية تحمي الحقيقة من محاولات الطمس والإلغاء. وكان المخرج والناشط السلمي السوري باسل شحادة (1984 – 2012) يمثِّل النموذج الأبرز للمثقَّف المدني الذي سخَّر موهبته الأكاديمية والفنية في خدمة القضايا الإنسانية ونضال شعبه. ترك شحادة مقاعد الدراسة الفارهة ومنحته المرموقة في الولايات المتحدة الأمريكية فور اندلاع انتفاضة 2011، ليحزم كاميراته ويعود إلى أزقَّة حمص المحاصرة، نادراً حياته لتوثيق اليوميات الدامية ونقل مهاراته الإخراجية للشباب المحاصرين، حتى سقط شهيداً بوابل من قذائف المدفعية في قلب حي الصفصافة.
من أروقة الهندسة والسينما الأمريكية إلى نقطة الانعطاف الأخلاقي
وُلد باسل شحادة عام 1984 في حي الميدان بالعاصمة دمشق، ونشأ في عائلةٍ دمشقية تعتز بالفكر والثقافة؛ حيث كان والده أستاذ فيزياء بجامعة دمشق ووالدته مهندسة. تخرَّج شحادة عام 2009 في كلية الهندسة المعلوماتية بجامعة دمشق، لكنَّ شغفه بالفنِّ البصري والصورة الفنية حثَّه على التوجه نحو الإخراج والتوثيق السينمائي. أخرج في بداياته عدة أفلام وثائقية وقصيرة تناولت قضايا اجتماعية وبيئية وإنسانية، كان من أبرزها فيلم “حمل حرملك” الذي تناولت فيه العدسة حياة المزارعين السوريين وعلاقتهم بالأرض، وعُرف بين زملائه بشخصيته الهادئة والمحبة للسلام والحوار المدني.
في صيف عام 2011، حصل باسل شحادة على منحةٍ دراسية عالمية مرموقة (منحة فولبرايت) لنيل درجة الماجستير في إخراج الأفلام الوثائقية بجامعة سيراكيوز بولاية نيويورك الأمريكية. غير أنَّه لم يستطع الاستمرار في مقاعد الدراسة بينما كانت بلاده تشهد تحوُّلات تاريخية ومواجهات أمنية خانقة؛ فاتَّخذ قراراً استثنائيًّا بتجميد دراسته والعودة إلى سوريا في أواخر عام 2011. لم يكن هدفه مجرَّد الوجود الميداني، بل التفرُّغ الكامل لتوثيق الحراك السلمي بالعدسة، وتدريب المجموعات الشبابية في المحافظات الثائرة على فنون التصوير والإخراج الصحفي، فضلاً عن مشاركته الفاعلة في تنظيم مظاهرات المثقَّفين والفنانين بدمشق، ومنها مظاهرة حي الميدان الشهيرة التي اعتُقل على إثرها لفترة وجيزة مع كوكبةٍ من الفنانين والمفكِّرين.
“إن لم أكن هناك وأوثِّق ما يحدث لأهلي وناسي، فلن تكون لدراستي في أمريكا أيُّ قيمةٍ أخلاقية أو إنسانية… الكاميرا هي أداة قول الحقيقة في زمن التعتيم.”
باسل شحادة مشرحاً أسباب تعليق منحته الدراسية والعودة إلى سوريا عام 2011.
“أكاديمية الحصار”: تدريب كوادر التوثيق البصري وإخراج السينما الميدانية
عقب عودته وتنقُّله بين دمشق وريفها، اتَّخذ شحادة القرار الأكثر خطورة بالدخول إلى مدينة حمص في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، والتي كانت تتعرَّض لأعتى حملة قصفٍ وحصار عسكري في أحياء باب السباع وباب الدريب والحي القديم وحمص القديمة. تمكَّن شحادة من التسلُّل عبر الممرَّات الإنسانية الخطرة ومعه معدات تصوير وأجهزة إرسال فضائي، ليتحوَّل حي “الصفصافة” وحمص القديمة إلى مقره الميداني وأكاديميته المفتوحة تحت خطوط النار.
في حمص، أسَّس باسل شحادة ما يُشبه “أكاديمية سينمائية مصغَّرة” وسط الحصار والقصف اليومي؛ درَّب عشرات الناشطين والشباب المحاصرين على أساسيات التصوير الفوتوغرافي، والإخراج الوثائقي، وصناعة التقارير البصرية المؤثِّرة، وكيفية التعامل مع الكاميرا وإرسال المواد الصحفية للوكالات العالمية تحت خطوط القصف. أسهمت مجهوداته في رفع كفاءة التغطية الإعلامية للحدث الحمصي، وأنتج برفقة متدربيه ومشرفه الفني أعمالاً وثائقية وأفلاماً قصيرة، كان من أبرزها مشاركته في توثيق فيلم “سقبا”، وفيلم “شوارعنا معتقلة لغايتنا”، وفيلم “صباح الخير يا حمص”، كاشفاً من خلالها المأساة الإنسانية وروح الصمود لدى أهالي حمص بعيداً عن السرديَّات الإخبارية الجافة.
الاستشهاد في حي الصفصافة والرمزية الخالدة لأيقونة السينما المستقلة
استمرَّ شحادة في نشاطه الميداني مكثِّفاً تدريباته وتوثيقه، متجاهلاً دعوات أصدقائه وعائلته المتكرِّرة للانسحاب من الأحياء المحاصرة والخروج نحو العاصمة أو خارج البلاد بسبب خطورة الموقف واشتداد القصف الصاروخي والمدفعي على أحياء حمص القديمة. وكان يرى أنَّ وجوده بين الأهالي وثباته مع عدسته هو التكليف الأخلاقي الأسمى لدعم قضيَّة شعبٍ يطالب بحريته وكرامته.
وفي يوم الاثنين 28 أيار/مايو 2012، وأثناء وجوده مع مجموعة من زملائه المصوَّرين والمتدرِّبين في حيِّ الصفصافة بحمص القديمة، استُهدف المبنى والنقطة التي ينشط فيها بقصفٍ مدفعي مباشر ومركَّز من قبل القوات الحكومية، ممَّا أسفر عن استشهاده على الفور إلى جانب المصوِّر الشاب أحمد الأصم (أبو إبراهيم) وعدد من رفاقه. ونظراً للحصار المطبق على المنطقة، تعذَّر تشييع جثمانه أو نقل رفاته خارج الأحياء القديمة؛ فدُفن باسل شحادة بأيدي رفاقه وإخوته في السلاح والعدسة في إحدى حدائق حمص المحاصرة التي أحبَّها ورسم بؤر عدسته عليها.
تكمُن الرمزيَّة التاريخية لباسل شحادة في أنَّه أثبت للرأي العام العالمي أنَّ التوثيق البصري والفن هما أعتى وثيقةٍ نضالية في وجه الاستبداد؛ حيث صار اسمه أيقونة للسينما المستقلة وصحافة التحدي في سوريا، تاركاً إرثاً بائناً من الصور والأفلام والتلاميذ الذين واصلوا حماية الحقيقة ونقل صوت الشعب السوري إلى العالم.