مدونات

الغُراب الوطني والحمامة المُستوردة

يوليو 31, 2026

الغُراب الوطني والحمامة المُستوردة

كمال عيشة

يُروى عن الغراب أنَّه أُعجب بمشية الحمامة، فحدَّث نفسه: ما الذي يمنعني من التَّبختر مثلها؟ وبدأ بالتقليد. وبذل في ذلك أياماً كثيرة، وفي كلِّ مرَّةٍ كان يفشل ويتحوَّل إلى مسخرةٍ بين الطيور. استسلم في النهاية وعاد إلى رشده، فالغراب لا يصح أن يصبح حمامة. لكنَّ المفاجأة أنَّه نسي مشيته الأصلية، فضيَّعته هيئة التقليد.

تظهر هذه الأزمة في النُّخب السياسية التي تأخذها حالة الانبهار الشديد بالنماذج الجاهزة المعلَّبة القادمة من خلف البحار. تظنُّ تلك النُّخب أنَّ استعارة دستور غربي، أو تطبيق وصفة اقتصادية نيوبرالية بحذافيرها، سيمنحها فجأةً وداعة الحمامة وتحضُّرها. يتناسى هؤلاء أنَّ النُّظم السياسية كائناتٍ حيَّة تنمو في تربتها الخاصة، وتتغذَّى من تاريخ المجتمع وثقافته وصراعاته الداخلية. وكلُّ محاولةٍ لإسقاط نموذج الديمقراطية الليبرالية الشكليَّة أو الانفتاح الاقتصادي غير المدروس على بيئاتٍ تفتقر إلى البنية التحتية والمؤسساتية اللازمة، تشبه تماماً محاولة الغراب أن يتبختر على غصنٍ رقيق لا يحتمل وزنه ولا يناسب طبيعة مخالبه.

والنتيجة العملية للتقليد الأعمى هذا، هي صناعة كاريكاتير سياسي مشوَّه: عندما نرى الاجتماعات تُعقد ومعها الشعارات الرنَّانة تُرفع، وبعدها المراسيم تُوقَّع، والمضامين تبقى فارغةً من أيِّ ممارسةٍ حقيقية واقعية؛ تتحوَّل تلك النُّظم المستوردة أحياناً إلى غطاءٍ لتكريس القبلية، أو حتى أداةٍ لشرعنة دكتاتوريات ناعمة، وربَّما وسيلةً لنهب المال العام تحت مسميَّات الخصخصة والتطوير طويل الأمد. وعندها يصبح النِّظام السياسي مسخرةً حقيقية؛ يفقد هيبته محليًّا لأنَّه لا يلبِّي احتياجات شعبه الحقيقية، ويفقد احترامه دوليًّا لأنَّه يظهر بمظهر المقلِّد العاجز الذي يرتدي ثياباً أوسع من مقاسه بكثيرٍ ليُرضي مُنظِّري النموذج الأصلي.

ويتضاعف هذا الكاريكاتير السياسي تشوُّهاً عندما تنشأ هياكل مدنية وسياسية معزولة في عواصم الشتات، تتبنَّى لغة الجهات المانحة وشروطها، وتُصيغ مشاريعها وفق رؤى خارجية، بينما يعيش المجتمع في الداخل تحت وطأة اقتصاد الحرب والفقر المدقع. إنَّ هذا الانفصال يصنع نخبةًّ تتحدَّث بلسانٍ رقيق كالحمامة، لكنَّها عاجزةٌ عن مدِّ خطوةٍ واحدة وثابتة على الأرض الصلبة التي يعيش عليها الناس في خيامهم وبيوتهم المهدَّمة، ممَّا يعمق أزمة الثقة بين الشارع ومن يدَّعي تمثيله.

وأخطر ما في معادلة الغراب ليس فشله في أن يكون حمامة، فهذا أمرٌ متوقَّع وتفرضه سنن الطبيعة والسياسة. الكارثة في نسيان المشية الأصلية خلال رحلة الركض اللاهث وراء النموذج الخارجي، حيث يستيقظ المجتمع ليجد نفسه في برزخٍ سياسي مظلم من مؤسساتٍ مشوَّهة وهشَّة إلى خسارة آليات الاستقرار النابعة من ثقافة المجتمع لحساب قوالب جاهزة ومفروضة من الخارج لا تجلب سوى الهشاشة، وارتهان السيادة من خلال استبدال القرار الوطني القائم على المصلحة المحليَّة بالتبعيَّة الاقتصاديَّة، والارتهان أيضاً لشروط المانحين والمنظَّمات الدوليَّة، والتفكُّك المجتمعي كذوبان التماسك الاجتماعي والعقد الوطني الحقيقي، والغرق في حرياتٍ شكليَّة مستهلَكة في صراعاتٍ جانبية لا تؤدي إلا إلى التِّيه والضياع.

ولا يعني هذا الدفاع عن المشية الأصلية أنَّها كانت دائماً سليمة أو كافية، ولا أنَّ كلَّ اقتباسٍ من الخارج هو بالضرورة تقليدٌ أعمى. فالتاريخ يشهد أنَّ أمماً نهضت حين أخذت الأدوات النافعة من غيرها ثمَّ أعادت صهرها في بوتقة شروطها المحلية. لكنَّ الفرق الجوهري يبقى قائماً: الاقتباس الواعي الذي يخضع لميزان المصلحة الوطنية، لا الاستسلام الكامل لقوالب جاهزة تُفرض من خارج التربة الاجتماعية والسياسية.

وفي سوريا يظهر هذا التحدي بوضوحٍ في كيفية بناء الدولة الجديدة على أسسٍ وطنيَّة أصيلة. إنَّ مرحلة الانتقال تضع القوى والنخب الحالية أمام اختبارٍ مصيري: هل يُعاد بناء المؤسَّسات بجهودٍ وعقول سورية نابعة من الداخل تستوعب التنوُّع وتحمي الاستقرار، أم يجري الارتماء في أحضان الوصفات المعلَّبة التي تحاول بعض الأطراف الخارجية فرضها؟ علينا اليوم حماية مكتسبات هذا التغيير عبر إرساء مؤسساتٍ وطنية صلبة وتوافقاتٍ أهلية ميدانية، بعيداً عن صراعات الأجندات المستوردة التي قد تُحوِّل التحرُّر إلى ارتهانٍ جديد لجهاتٍ لا تبحث إلا عن مصالحها.

إنَّ النهضة الحقيقية لأيِّ أمةٍ تبدأ من التصالح مع الذات، والاعتراف بالواقع، وتطوير الأدوات المحليَّة بذكاءٍ وتدرُّج هادئ. وعلى جميع النُّخب السياسية أن تكفَّ النظر إلى العواصم البعيدة الكبرى كمصدرٍ وحيد للإلهام والشرعية، وتبدأ في التحديق عميقاً في وجوه شعوبها لابتكار مشيتها الخاصة التي تعبِّر عن هُويَّتها وتحمي مستقبلها. وعلى الغراب السياسي أن يدرك أنَّ قوته تكمُن في حدَّة بصره، وقوَّة جناحيه، وقدرته العالية على المناورة والبقاء، وليس في تقليد حمامةٍ لم تُخلق لبيئته ولا لظروفه التي لا يعرفها سواه.

شارك

مقالات ذات صلة