مجتمع

التبرعات والإعمار بين النوايا والأولويات العامة

يوليو 26, 2026

التبرعات والإعمار بين النوايا والأولويات العامة

أحمد الياماني

في كلِّ مرحلةٍ انتقالية تمرُّ بها الدول الخارجة من الحروب، يبرز سؤالٌ يبدو بسيطًا، لكنَّه يتحوَّل سريعًا إلى معركةٍ على وسائل التَّواصل الاجتماعي: هل نحتفي بما تحقَّق، أم نرفضه لأنَّه ليس أولوية؟ وهذا بالضبط ما حدث بعد افتتاح وتأهيل دوار الليرمون في حلب، حيث انقسمت الآراء بين من رأى فيه خطوةً جميلة تعيد شيئًا من روح المدينة، ومن اعتبره مشروعًا تجميليًّا لا يليق بمرحلةٍ ما تزال فيها الكهرباء والمياه والمدارس والمستشفيات أولى بالاهتمام. وقد أثار المشروع نقاشًا واسعًا حول أولويَّات الإعمار، خاصَّة مع إقامة احتفالٍ رسمي بالمناسبة. لكن وسط هذا الجدل، غابت حقيقةٌ مهمَّة عن كثيرٍ من النقاشات. فالمعلومات المتداولة تشير إلى أنَّ المشروع نُفِّذ بتمويلٍ خاص من متبرع، وليس من الموازنة العامة للدولة. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا.

إذا جاء شخصٌ وقرَّر أن يموِّل تأهيل دوار من ماله الخاص، فهل من حقِّ الدولة أن ترفض ذلك لأنَّها تحتاج إلى مدرسة؟ وهل تستطيع قانونيًّا أو أخلاقيًّا أن تجبره على إنفاق أمواله في مكانٍ آخر؟ في الواقع، لا. فالتبرُّع فعلٌ اختياري، وليس ضريبةً تفرضها الحكومة على النَّاس. قد يتبرَّع رجل أعمال لحديقة، وآخر لمسجد، وثالث لمشفى، ورابع لدوار. لا تستطيع الدَّولة أن تقول له: لن نقبل تبرعك إلا إذا صرفته حيث نريد، لأنَّ النتيجة قد تكون ببساطةٍ أنَّه لن يتبرَّع أصلًا.

لهذا أرى أنَّ تحميل الدولة وحدها مسؤولية اختيار المشروع ليس منصفًا في هذه الحالة. فمن الخطأ أن نحاسب الخزينة العامة على مشروعٍ لم تدفع ثمنه، كما أنَّه من الخطأ أن نهاجم أيَّ مبادرةٍ خاصة لمجرَّد أنَّها لا تعالج أكبر المشكلات.

لكن، وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك أنَّ النِّقاش انتهى. فالمشكلة الحقيقية ليست في دوار الليرمون، بل في غياب سياسةٍ واضحة لتنظيم المبادرات المجتمعية والتبرُّعات. لو كانت هناك هيئة مستقلة أو صندوق وطني لإعادة الإعمار، يضع قائمة بالأولويَّات بالتعاون مع البلديات والمجتمع المحلي، لكان بالإمكان توجيه المتبرِّعين نحو مشاريع أكثر إلحاحًا، من دون مصادرة حقِّهم في الاختيار.

فمثلًا، قد يذهب متبرِّع لتجميل دوار لأنَّ هذه هي الفكرة الوحيدة التي عُرضت عليه، بينما لو وُضعت أمامه قائمة تتضمَّن مدرسة تحتاج إلى ترميم، أو حديقة أطفال، أو مركزًا صحيًّا، أو مشروعًا لتحسين إدارة النفايات، فقد يختار أحدها طوعًا. وللأسف، هناك نوعٌ آخر من التبرُّعات لا يمكن تجاهله، وهو التبرع الذي يبحث صاحبه عن اسمه أكثر ممَّا يبحث عن أثره. فبعض المتبرِّعين لا يكتفي بإنجاز المشروع، بل يريد أن يتحوَّل إلى حدثٍ إعلامي، وأن تُلتقط الصور وتُنشر اللافتات وتُكتب المنشورات التي تُمجِّد الشخص قبل الفكرة. وهذا حقُّه ما دام لم يخالف القانون، لكن مسؤولية الدولة هنا أن تُبقي البوصلة باتِّجاه المصلحة العامة، فلا تتحوَّل الأولويَّات إلى سباقٍ على أكثر المشاريع قدرة على جذب الكاميرات، بينما تبقى مدرسةٌ متهالكة أو حيٌّ تغرقه النفايات ينتظران متبرعًا لا يبحث عن التصفيق، بل عن الأثر الحقيقي الذي يبقى بعد انطفاء الأضواء، وهنا تكمُن الفكرةلسنا بحاجةٍ إلى محاربة المتبرِّعين، بل إلى إدارة تبرُّعاتهم.

فالقمامة التي تتراكم في بعض الأحياء ليست أقلَّ أهميَّة من شكل الدوار، والمدرسة التي يجلس فيها 50 طالبًا داخل صف متهالك أولى بكثيرٍ من أحواض الزهور، وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية تبقى أساس أيِّ عملية إعادة إعمار حقيقية، لكن هذا لا يعني أيضًا أنَّ الجمال ترففالمدينة التي خرجت من حربٍ طويلة تحتاج إلى أن ترى نفسها جميلة مرَّة أخرى. فالنَّاس لا يعيشون بالخبز وحده، كما أنَّهم لا يعيشون بالورود وحدها. الإعمار الحقيقي يجمع بين الاثنين؛ بين إصلاح ما يحفظ الحياة، وما يعيد إليها الأمل.

ولذلك، ربَّما كان الخطأ الأكبر ليس في تأهيل الدوار، بل في طريقة تقديم المشروع. فالاحتفال الإعلامي الضخم بمشروعٍ تجميلي في وقتٍ يعاني فيه المواطن من أزماتٍ يومية جعل كثيرين يشعرون بأنَّ الأولويات اختلت، حتى لو لم يكن هذا الانطباع يعكس حقيقة التمويل.

في الدول التي نجحت في إعادة البناء بعد الحروب، لم يكن السؤال: هل نبني حديقة أم مدرسة؟ بل كان: كيف نضمن أن يذهب كلُّ متبرَّع إلى المكان الذي يصنع أكبر أثر ممكن؟

وهذا ما نفتقده اليوم، نحتاج إلى منصةٍ وطنيَّة شفَّافة، تعلن احتياجات كلِّ حيٍّ وقرية، وتفتح المجال أمام الأفراد والشركات للمساهمة فيما يرونه مناسبًا، مع تشجيعهم على المشاريع الأكثر إلحاحًا. عندها لن يتحوَّل كلُّ مشروعٍ إلى معركةٍ على وسائل التواصل، ولن يشعر المواطن بأنَّ الاهتمام انصرف عن مشكلاته الأساسية.

في النهاية، لا أعتقد أنَّ دوار الليرمون هو المشكلة، ولا أعتقد أنَّه الحل، إنَّه مجرَّد دوارٍ كشف دوامةً أكبر: غياب التخطيط، وضعف التواصل، وعدم وجود رؤيةٍ واضحة لإدارة المبادرات الأهلية.

ولهذا أعود إلى المثل الشعبي الذي بدأنا به: خذ من العنب حبّة، ولا تنتظر القطف كلّه.”

فكلُّ مبادرةٍ صادقة تستحقُّ التقدير، مهما كانت صغيرة. لكنَّ الحكمة لا تكتفي بالاحتفاء بالحبَّة؛ بل تسأل أيضًا: كيف نجعل الحبَّات القادمة تذهب إلى المكان الذي يحتاجها النَّاس فيه أكثر؟ وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا، بدل أن ننشغل بالدوار وحده.

شارك

مقالات ذات صلة