مدونات
علي البرغوث
في تاريخ الصِّراعات المسلَّحة المعاصرة، غالباً ما تُصوَّر النساء ضحايا سلبيين، للحروب أو عاملاتٍ في الصفوف الخلفية لتقديم الرعاية الطبية والدعم الإغاثي. غير أنَّ السورية سعاد الكياري، التي عُرفت على نطاقٍ واسع في الميادين العسكرية بلقب “أم عبود”، كسرت هذه الصورة النمطيَّة لتخطَّ بدمائها وبندقيتها فصلاً فريداً وغير مألوف في تاريخ العمل المسلَّح. لم تتردَّد هذه الأمُّ السورية في ترك حياتها المدنية والالتحاق بخطوط النَّار الأمامية، لتصبح القائدة العسكرية النسائية الوحيدة التي تدير فصيلاً من الرجال في مواجهة قوات النظام وحلفائه، مقدمة نموذجاً استثنائيًّا من الشجاعة والتفاني حتى لحظة ارتقائها على أسوار مطار أبو الظهور العسكري.
من مأساة الفقد الشخصي إلى تأسيس فصيل عسكري بقيادة نسائية
ولدت سعاد الكياري في بلدة أبو الظهور التابعة لريف محافظة إدلب الشرقي، وهي بيئةٌ ريفية تتَّسم بالمحافظة والالتزام بالتقاليد الاجتماعية التي تبتعد فيها النساء عادة عن الشؤون العسكرية المباشرة. مع اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011، كانت سعاد في طليعة المشاركات في المظاهرات السلمية الأولى بالمنطقة، هاتفة بالحرية والتغيير السياسي. غير أنَّ المنعطف الحاسم الذي غيَّر مسار حياتها بالكامل تمثَّل في الفقدان الفاجع؛ إذ قتل النظام السوري أخاها الأكبر “عبود” الذي حملت كنيته طيلة حياتها لشدة ارتباطها به، ثمَّ لحق به شقيقاها الآخران في معارك الدفاع عن ريف إدلب، بينما اعتُقل شقيقها الرابع واقتيد إلى أقبية المخابرات دون أثر.
أمام هذا المشهد الدامي وتحت وطأة الحصار الاقتصادي والعسكري الذي فُرِض على قريتها، اتَّخذت سعاد الكياري قراراً استثنائيًّا؛ فباعت مصاغها الذهبي وكلَّ ما تملكه من مدَّخراتٍ لتشتري بندقية كلاشينكوف وجعبة حربية. لم تكتف بحمل السلاح للحراسة، بل انتسبت لدوراتٍ تدريبية بدنية وتكتيكية مكثَّفة على يد ضباطٍ منشقين، متقنة مهارات قنص الأهداف والتعامل مع القواذف الصاروخية من طراز “آر بي جي-7”. وبفضل شخصيتها القيادية وحضورها المهيب، نجحت في تشكيل فصيل قتالي صغير انضوى تحت مظلَّة الجيش السوري الحر، وضمَّ عشرات المقاتلين من أبناء ريف إدلب الذين ارتضوا طواعية، وبخلاف التقاليد الريفية، أن تقوده هذه السيدة في العمليات الميدانية والكمائن المتقدمة.
“بعت ذهبي لأشتري بندقية أدافع بها عن الأرض والعرض، ولسنا أقل شجاعة من الرجال عندما يفرض الواجب حماية بيوتنا.”
– سعاد الكياري (أم عبود) في لقاء ميداني عام 2016. –
الصمود تحت قصف الطيران وقيادة جبهة شرق إدلب الاستراتيجية
شاركت “أم عبود” برفقة عناصر فصيلها في معارك كبرى ومفصلية في شمال غربي سوريا، وكان لها دورٌ لوجستي وعسكري بارز في المعركة الشهيرة للسيطرة على مطار أبو الظهور العسكري عام 2015. تولَّت مع مجموعتها رصد وتأمين البوابة الشرقيَّة للمطار؛ لمنع وصول أيِّ إمداداتٍ عسكرية للنظام، وخاضت اشتباكات عنيفة لحماية السواتر الترابية المحيطة بالمنطقة. عُرف عنها التزامها الصارم بالتواجد في خنادق الحراسة المتقدَّمة على مدار الساعة، مرتدية جعبتها العسكرية وحجابها التقليدي، ومرفقة بابتسامتها الهادئة التي كانت تبثُّ العزيمة في نفوس المقاتلين الشباب الذين كانوا يرون فيها رمزاً للأمِّ الحامية والأخت الشجاعة.
في أواخر عام 2017 ومطلع عام 2018، أطلقت قوات نظام الأسد مدعومة بميليشياتٍ أجنبية وبغطاءٍ جوي روسي كثيف حملةً عسكرية واسعة النطاق أُطلق عليها عسكريًّا اسم معارك “شرق السكة” (شرق سكة حديد الحجاز)؛ بهدف السيطرة على ريف إدلب الشرقي ومطار أبو الظهور الاستراتيجي وتأمين أوتوستراد حلب – دمشق. ورغم الهجوم السجادي الساحق واستخدام القنابل الارتجاجية والبراميل المتفجِّرة التي أجبرت العديد من الفصائل على التراجع، رفضت “أمُّ عبود” الانسحاب أو ترك بلدتها، واختارت البقاء مع ثلَّة من مقاتليها لصدِّ جحافل القوات المقتحمة، موجهة نداءاتٍ مصوَّرة عبر المنصات دعت فيها الفصائل لترك الخلافات والوقوف معاً لحماية الأرض.
ملحمة تلة أبو الظهور الأخيرة والموت مواجهة من مسافة صفر
في أوائل شهر كانون الثاني/يناير 2018، بلغت المعارك ذروتها على تخوم بلدة أبو الظهور والخطوط الدفاعية المحيطة بالمطار؛ إذ تداخلت خطوط الاشتباك وسقطت مئات القذائف الصاروخية والمدفعية على المنطقة بشكلٍ متواصل. تولَّت سعاد الكياري قيادة نقطةٍ دفاعية حرجة ومكشوفة تطلُّ على معبر التقدُّم الرئيسي للقوات المهاجمة بريف إدلب الشرقي، وخاضت مع رفاقها اشتباكاتٍ مباشرة وعنيفة من مسافة الصفر؛ لمنع سقوط الساتر الدفاعي الأول للبلدة وإعطاء فرصة للعائلات المتبقِّية للنزوح والهرب من الحصار.
وفي يوم الأربعاء 10 كانون الثاني/يناير 2018، وأثناء قيامها بإطلاق قذيفة صاروخية ومحاولة التغطية النارية لسحب أحد المقاتلين الجرحى من فصيلها، اُستهدفت النقطة التي تتحصَّن فيها بقذيفة دبَّابة مباشرة ورشقات نارية كثيفة، ممَّا أسفر عن مقتلها على الفور على تراب بلدتها. شكَّل نبأ ارتقاء “أم عبود” هزة وحزناً عميقاً في أوساط الناشطين والتشكيلات العسكرية في الشمال السوري؛ إذ رثتها الفصائل بكثيرٍ من الإجلال والإكبار واصفين إياها بـ “خنساء الثورة” و”أخت الرجال” التي فعلت ما عجز عنه الكثيرون في مواقف الثبات.
تكمُن الرمزية الاستثنائية لسعاد الكياري في أنَّها تخطَّت العوائق البنيوية والاجتماعية لتثبت بالدليل الميداني أنَّ معركة الحرية والكرامة الإنسانية تتكامل فيها الأدوار وتتلاشى فيها الفوارق التقليدية؛ لتظلّ قصتها وثيقة إنسانيَّة ونضالية ملهمة ترسِّخ اسمها كواحدةٍ من أشجع النساء السوريات اللواتي رفضن التراجع وكتبن بدمائهن فصلاً مضيئاً في ملحمة الدفاع عن الأرض والحرية.َ