أدب

من أرض البرتقال الحزين.. إلى أرشيف الذاكرة ونزوح السوريين

يوليو 9, 2026

من أرض البرتقال الحزين.. إلى أرشيف الذاكرة ونزوح السوريين

ثمَّة كتب تقرؤها، وأخرى تقرؤك، لم تكن أرض البرتقال الحزين بالنسبة لي مجرَّد مجموعةٍ قصصية كُتبت عن النَّكبة الفلسطينية، بل كانت محاولةً لفهم الإنسان عندما يُقتلع من المكان الذي كان يظنُّ أنَّه سيكبر ويموت فيه.

لم يكن غسان كنفاني يكتب التاريخ، ولم يكن منشغلاً بتوثيق المعارك بقدر ما كان يطارد التفاصيل الصغيرة التي يتركها الاقتلاع في أرواح النَّاس.

الطِّفل الذي يكبر قبل أوانه، والأب الذي يخسر سلطته لأنَّه لم يعد يملك بيتاً، والأمُّ التي تحمل مفتاحاً لايفتح شيئاً سوى الذاكرة، واللاجئ الذي يكتشف أنَّ الخيمة لا تصبح وطناً مهما طال الزمن.

في إهدائه الشَّهير: “إلى من استُشهد في سبيل أرض البرتقال الحزين، وإلى من لم يستشهد بعد..”، لم يكن كنفاني يخاطب الفلسطينيين وحدهم، بل كان يكتب عن الإنسان عندما يصبح الوطن ذكرى، والمنزل حكاية، والعودة احتمالاً مؤجلاً.

حين قرأت هذه القصص، أدركت أنَّني لم أكن أقرأ فلسطين فقط، بل كنت أبحث عن لغةٍ تفسّر شيئاً عشته أنا أيضاً، وإن اختلفت الجغرافيا، وتبدَّلت الأسماء، وتغيّر شكل العدو.

حين أصبحت الخيمة أكثر من خيمة

لم يحتج السوريُّون إلى أن يعيشوا النَّكبة الفلسطينية كي يفهموا وجع الفلسطينيين، كما لم يحتج الفلسطينيون إلى الثورة السورية كي يفهموا معنى أن يُنتزع الإنسان من بيته قسراً، فالوجع لا يتطابق، لكنَّه يتعارف.

في عام 2019، عندما هُجّرنا من ريف إدلب الجنوبي نحو الحدود التركيَّة، لم تكن الطريق مجرَّد رحلة نزوح، بل كانت إعلاناً بأنَّ حياةً كاملة انتهت في ساعاتٍ قليلة، ترك النَّاس بيوتهم، وأشجارهم، وصورهم، وألعاب أطفالهم، ومضوا يبحثون عن مساحة يفرشون فيها بطانية.

هناك، بين أشجار الزيتون، اكتشفت أنَّ الخيام ليست دائماً من القماش، أحياناً تكون السماء سقفاً، وتصبح الأشجار جدراناً مؤقتة، ويغدو التراب فراشاً تنتظر فوقه يوماً آخر من النَّجاة.

كان الاحتلال الإسرائيلي قد هجّر الفلسطينيين من أرضهم، بينما انتهج نظام الأسد، مدعوماً بحلفائه، سياسة الأرض المحروقة في مدنٍ وبلدات سورية، فدُمّرت الأحياء، وأُحرقت البساتين، وتحوَّلت القرى إلى خرائط بلا سكان، اختلفت الأسباب السياسية، لكنَّ النتيجة الإنسانية كانت واحدة: إنسان يحمل وطنه في ذاكرته لأنَّه لم يعد قادراً على حمله في يديه.

وربما لهذا السبب شعرت أنَّ بعض قصص كنفاني لم تكن بعيدة عنِّي، بل كانت تسير بمحاذاة الطريق الذي سرته ذات يوم.

لهذا كتبتأرشيف الذاكرة

لم أكتبأرشيف الذاكرةلأنَّني أردت تقليد غسان كنفاني، ولا لأنَّ التجربتين نسخة واحدة، كتبتها لأنَّني أدركت أنَّ لكلِّ شعبٍ ذاكرته التي تستحق أن تُروى، وأنَّ المأساة إن لم تجد كاتباً، ستتحوَّل مع الزمن إلى رقمٍ في تقرير، أو خبر عابر في نشرة.

وجدت في قصص مثلأبعد من الحدودوثلاث ورقات من فلسطينوورقة من الرملةمفاتيح لفهم كيف يمكن للأدب أن ينقذ التفاصيل من النسيان، فالأوطان لا تضيع مرَّة واحدة، بل تضيع تدريجيًّا عندما تختفي حكايات ناسها.

لهذا أحاول، فيأرشيف الذاكرة، أن أوثّق الإنسان السوري قبل الحدث السياسي، أن أكتب عن الأمِّ التي خبَّأت مفتاح المنزل في جيبها، وعن الطفل الذي تعلّم أسماء المخيمات قبل أسماء المدن، وعن الرجل الذي ظلَّ يحرس أشجار الزيتون حتى بعد أن لم يعد يملك أرضاً يقف عليها.

لقد كتب غسان كنفاني ذاكرة الفلسطينيين كي لا يسرقها النسيان.. أمَّا أنا، فأكتب لأنَّني أخشى أن يأتي يوم يقرأ فيه السوريُّون تاريخهم من تقارير الأمم المتحدة، لا من أصوات الذين عاشوه.

وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي للأدب، أن يترك للأجيال القادمة دليلاً على أنَّ أحداً كان هنا، وأحب هذه الأرض، وخسرها، ثمَّ كتب عنها حتى لا تموت مرتين.

حين يصبح الأدب وطناً مؤقتاً

ليست كلُّ الكتب التي تتناول الحروب قادرةً على البقاء، فكثيرٌ منها ينتهي بانتهاء الظرف الذي كُتبت فيه، وحدها الأعمال التي تنجح في الإمساك بالإنسان، لا بالحدث، تستطيع أن تعبر الزمن.

وهذا ما يفسِّر لماذا ما تزال أرض البرتقال الحزين تُقرأ اليوم، رغم أنَّ العالم تبدَّل مراتٍ عديدة منذ صدورها، فالقارئ لا يعود إليها ليعرف ماذا جرى في فلسطين عام 1948، فالتاريخ يجيب عن ذلك، وإنَّما يعود إليها ليعرف ماذا يفعل الاقتلاع بالإنسان عندما يتحوَّل الوطن من مكان يُعاش إلى مكانٍ يُتذكَّر.

هنا تكمُن عبقرية غسان كنفاني، لم يكتب الفلسطيني بوصفه بطلاً أسطوريًّا، ولم يحوِّله إلى شخصيةٍ خارقة تتحدَّى الألم بلا انكسار، بل قدمه إنساناً عادياً يحمل خوفه، وضعفه، وحنينه، وحيرته، ولذلك بقيت شخصياته قريبة من كلِّ قارئٍ عرف معنى الفقد، وإن لم يكن فلسطينيًّا، لقد فهم كنفاني أنَّ المأساة لا تُقاس بعدد الضحايا، بل بما تتركه في الحياة اليومية للناس، في اللغة التي تتغيَّر، وفي الأشياء الصغيرة التي تصبح فجأة أثمن من الذهب، وفي الذكريات التي تتحوَّل إلى شكلٍ آخر من أشكال المقاومة.

هذا ما يجعل الأدب مختلفاً عن الخبر الصحفي، فالصحافة تلاحق اللحظة، أمَّا الأدب فيلاحق أثرها، الخبر يخبرنا أنَّ آلاف العائلات نزحت، لكنَّ القصة تجعلنا نعيش مع عائلةٍ واحدة حتى نفهم ماذا يعني النزوح حقًّا، التقرير يحصي البيوت المدمرة، بينما الرواية تجعل القارئ يشعر بثقل المفتاح الذي ظلَّ صاحبه يحتفظ به سنواتٍ طويلة، رغم معرفته أنَّه ربما لن يفتح الباب مرَّة أخرى.

وبين الرقم والحكاية،تتحدَّد المسافة بين المعرفة والإحساس.

ولعلَّ هذه المسافة هي التي تجعل الشعوب بحاجةٍ دائمة إلى كتّابها، لأنَّ أخطر ما تفعله الحروب ليس القتل وحده، بل قدرتها على تحويل المأساة إلى اعتياد، تتكرَّر صور الدمار حتى تفقد صدمتها، وتتوالى أرقام الضحايا حتى تصبح مجرَّد بيانات، بينما يبقى الأدب قادراً على إعادة الحساسية إلى القارئ، وإجباره على رؤية الإنسان من جديد، لا بوصفه رقماً في نشرةٍ إخبارية، وإنَّما حياة كاملة كان يمكن أن تكون حياته هو.

لهذا تبدو الأعمال الأدبيَّة الصادقة عصيّة على الحدود، فهي لا تطلب من القارئ أن يتبنَّى موقفاً سياسيًّا، بل تدعوه إلى أن يتعرَّف على الإنسان المختبئ خلف السياسة، ومن هنا يمكن فهم السر في أنَّ قارئاً سوريًّا يجد نفسه داخل صفحات كتبها فلسطيني قبل أكثر من 60 عاماً. ليست الجغرافيا هي التي تجمع التجربتين، بل ذلك الشعور الإنساني المشترك حين يصبح البيت ذكرى، والطريق أطول من القدرة على الاحتمال، والحنين لغة يوميَّة لا تحتاج إلى ترجمة.

ربما لهذا السبب أيضاً لا تنتهي الحكايات بانتهاء الحروب، فالحرب تنتهي حين تصمت البنادق، أمَّا آثارها فتبقى سنواتٍ طويلة في ذاكرة الأفراد، وفي طريقة حديثهم، وفي علاقتهم بالأماكن، وفي خوفهم من الرَّحيل مرة أخرى.

والكاتب الحقيقي لا يلاحق لحظة الانفجار، بل يلاحق ما يحدث بعدها، حين يعود النَّاس إلى بيوتهم فيجدون أنَّ الجدران يمكن أن تُبنى من جديد، أمَّا الطمأنينة فلا يعيدها الإسمنت وحده.

وهكذا، لا يصبح الأدب مجرَّد وسيلةٍ لسرد الماضي، بل محاولة لإنقاذه من النسيان، ولإثبات أنَّ ما عاشته الشعوب لم يكن أرقاماً في سجلات التاريخ، بل حياة حقيقية، بأفراحها الصغيرة، وخساراتها الكبيرة، وأحلامها التي بقيت تبحث عن مكانٍ آمن، حتى بعد أن توقَّفت الحرب عن الكلام.

لا تموت الأوطان حين تُهدم بيوتها، بل حين يُنسى الذين عاشوا فيها. أمَّا الأدب، فهو الذاكرة الأخيرة التي تعيد للغائبين أسماءهم، وللأماكن أرواحها.

شارك

مقالات ذات صلة