مدونات
في شباط 2023، لم تتصدّع الأرض وحدهـا؛ انكشفت عورة بقايا “دولة الأسد”. سقط ركام المبنى على سيارتي، ليتكفّل “عناصر الإنقاذ” بما نجا من الحطام؛ نُهبت أجزاءٌ وقطع، جهاراً نهاراً وتحت غطاء الإغاثة. بعد أشهر، رنّ الهاتف. كان الاتّصال من قسم الشّرطة، يفيض “حرصاً” على حقوقي ويستدعيني لتسلُّم تعويضٍ مالي عن الأضرار. لم يكن التّعويض بطبيعة الحال عمّا سرقته أيدي “عناصر حفظ النظام”، بل كان فخاً أمنياً بامتياز؛ كمينٌ محكم يتخفّى برداء التعويض الإنساني، لاقتيادي مخفوراً إلى قوات الاحتياط في جيشٍ كنتُ قد اخترتُ التخلُّف عنه. هكذا تُدار الأزمة في ظلّ “نظام الأسدين”: الكارثة فرصة جباية، والفاجعة كمينٌ للاصطياد. هذه القصة هي اختزالٌ مكثّف لثقافة حُكم تعاملت مع البلاد طوال عقودٍ كغنيمة، ومع المواطن كرقمٍ في قوائم السُّخرة. وإذا كانت مصيبتي الشخصيّة في زلزال شباط 2023 قد استدعت كميناً أمنيًّا تحت قناع التّعويض، فإنّ قراءةً في الجغرافيا السّورية المغدورة، وتحديداً المنطقة شرق الفرات، تجعلنا نكتشف كثيراً من النّدوب التي أصبحت مزمنة منذ عهد البعث، وإن كانت جذورها تمتدُّ إلى حقبٍ أبعد بكثير.
تبدأ حكاية التّهميش المزمن لشرق الفرات من لحظة انكسار حضاري قاسية؛ فهذه المنطقة التي نامت قروناً على ضفاف أمّ الحضارات الأولى، وشكّلت في العهود الأموية والعباسية شرياناً حيويًّا واستراتيجيًّا للخلافة، تعرّضت لزلزالٍ بشريّ مدمّر لم تقم لها منه قائمة طوال قرون. زلزالٌ اسمه “تيمورلنك”. اجتاح الطاغية المغولي المنطقة، مستبيحاً حواضرها، ومدمّراً بناها التحتية، ومهجّراً سكانها، ومفرغاً الأرض من علمائها وحرفييها وصناعها؛ ليعيد زرعهم قسراً في حواضر ملكه، ويبني بجماجمهم وعرقهم مجد صرحه في “سمرقند”، تاركاً شرق الفرات في عتمة النّسيان والخراب. بقيت المنطقة على هامش الجغرافيا حتى أواخر العهد العثماني، حين بدأت ملامح “نهضة متأخرة” تحاول نفض غبار القرون، عبر محاولات خجولة لإعادة الاستقرار وتوطين العشائر وبناء مراكز إدارية. لكن هذا المخاض لم يكد يكتمل حتى دخل الانتداب الفرنسي على خط التاريخ، ولم يكن دوره في جوهره إلا “مأسسةً” للتهميش؛ إذ تعامل الفرنسيون مع الشرق بعقلية المستعمر النفعي الذي يرى في الجغرافيا مجرّد خطّ تماسُكٍ عسكري ومخزن للموارد. صبّوا اهتمامهم على مدّ السكك الحديدية لتسهيل حركة جيوشهم ونقل المحاصيل الاستراتيجيّة نحو الموانئ، في حين تُرِكت الطرق البريّة الحيويّة مهملة ترابية، وبقيت الزراعة في عمقها أسيرة الاعتماد البعلي والوسائل البدائيّة، تكافح غياب التنمية الحقيقيّة التي تُدمج الشرق بالجسد السّئُوري.
ومع نيل الاستقلال وبزوغ فجر “الجمهورية الأولى”، تنفّست المنطقة الصعداء مع خيارات الحكم الوطني، لتبدأ النّهضة الحقيقيّة التي قادها الرأسمال السّوري الجريء. تدفّقت الآليات الحديثة، وتحوّلت الجزيرة والفرات إلى خلية نحل زراعيّة صعدت معها بنية مصرفية واعدة؛ ففتحت البنوك والمصارف الوطنية أبوابها لتمويل الطفرة القطنية والمشاريع الكبرى، وضخّ الدماء في عروق الاقتصاد السوري من بوابة الشّرق. لكن هذه الصّحوة لم تدم طويلاً؛ إذ سرعان ما جاءت الانتكاسة الأولى مع إعلان “الجمهورية العربية المتحدة”. باسم “الاشتراكية” وشعارات “الإصلاح الزراعي”، أُخذت المنطقة بأكملها رهينة لسياسات التّأميم والتّوجيه القسري؛ فتفتتت الملكيات الواعدة، وتجمّدت المشاريع، وأمام شبح المصادرة هربت المصارف بملياراتها ورساميلها خارج البلاد، ليتوقّف قلب النّهضة النّابض، وتدخل المنطقة الشرقية مجدّداً في نفق الجمود التّنمويّ والتّوظيف السياسيّ.
وإذا كانت النّكسة الأولى قد جرت فصولها تحت عباءة “الجمهورية المتحدة” في عهد ناصر، فإنّ الانتكاسة الكبرى والزّلزال الثّاني الذي ضرب شرق الفرات جاء مع انقلاب البعث، وتحديداً مع وصول “تيمورلنك القرن العشرين”؛ حافظ الأسد. أدار نظام البعث الأسدي المنطقة بعقلية المستعمر الداخلي، فحوّلها إلى مجرّد “خزان للموارد”؛ يُمتص نفطها وتُنهب ثرواتها الباطنيّة والزراعيّة لتمويل خزينة السلطة ومركزها، دون أن ينال أهلها من هذه العوائد إلا التّهميش والفقر الإنمائي. ولم تقتصر المأساة على النّهب الاقتصادي، بل تعدتها إلى مأسسة الهندسة الديمغرافية وسياسات التجريد من الجنسية والاضطهاد الممنهج ضدّ المكون الكردي، لزرع بذور الشقاق وتأمين السيطرة الأمنيّة المطلقة. ومثلما سلب الطاغية المغولي حواضر الشرق ليعمر سمرقند، جاء الأسد الابن ليمارس النسخة الأكثر رداءة من هذا الرهن؛ فلم يكتفِ بمواصلة الإهمال، بل حوّل هذه الجغرافيا الاستراتيجية إلى ورقة قمار سياسي. رهنَ الابن المنطقة ومقدراتها للمشروع الإيراني وطموحات الحرس الثوري، لتتحول الأرض والضفاف إلى الممر الحيوي الأهم لتشييد “الهلال الشيعي” وربط طهران بالبحر المتوسط. وفي فوضى هذا الارتهان، أُقيمت المشاريع الغامضة والمغامرات غير المحسوبة كالمفاعل النووي في الكِبر بـ دير الزور، الذي لُخّصت وظيفته في جلب الدمار والضّربات الخارجية، دون أيّ أثرٍ تنمويّ يخدم إنسان المنطقة المتروك لمصيره.
ولم يكن خروج المنطقة عن سيطرة “نظام الأسدين” مع انطلاق الثورة السورية إيذاناً ببدء عصر النّهضة المؤجل، بل فُتحت أبواب الجحيم لتمرّ المنطقة بمرحلتين غريبتين، تداخلت فيهما الأطماع المحلية بالاستثمار الدولي؛ مرحلة تنظيم “داعش” (دولة الخلافة المزعومة)، ومرحلة “الإدارة الذاتية”. مفارقتان نبتتا في مناخ الفوضى، وفشلتا في تحقيق أي استقرار حقيقي لإنسان الشرق. في المرحلة الأولى، صعد تنظيم “داعش” كقوة باطشة تجيد العيش في بيئة الدماء؛ كانت “دولة الخلافة” منبوذة تُحارَب من العالم أجمع، لكنّها في الوقت نفسه كانت تلعب بذكاءٍ وخبث على التوازنات الإقليمية والمحلية، مستغلةً الفراغ الأمني، وموظفةً المظلومية العشائرية المتراكمة طوال عقود البعث، لتتحوّل المنطقة في عهدها إلى مسرحٍ للإعدامات والاستنزاف الاقتصادي الأعمى لآبار النفط وصوامع الحبوب، قبل أن تتلاشى الخلافة المزعومة تحت ركام المدن المدمرة. أمّا في المرحلة الثانية، وعلى أنقاض دحر التّنظيم، صعدت تجربة “الإدارة الذاتية” كوجهٍ آخر للاستثمار في الجغرافيا. هذه التجربة لم تولد من فراغ، بل كانت نتاجاً مباشراً لعقود من “التصحير السياسي والأمني” والإنكار القومي الممنهج الذي مارسه نظام البعث ضدّ المكون الكردي، ممّا خلق بيئة خصبة للانكفاء نحو الهويات الفرعية عند غياب الدّولة الجامعة. ومع ذلك، عانى المشروع من انفصام بنيوي حاد حين حُمل على أجنحة الدّعم الدولي السخي والغطاء العسكري من التحالف؛ إذ طمحت قادته وعقيدته الأيديولوجية للقفز فوق الخريطة السورية، والبحث عن كيانٍ مقتطع يتجاوز حدود الوطن والنسيج المجتمعي الطبيعي للمنطقة. تحوّل الدعم الخارجي إلى متكأ لمشروع قلق، عجز عن التحوُّل إلى مؤسّسة حوكمة مستدامة، ورفض في الوقت ذاته أن يكون جزءاً حقيقياً من الهوية الوطنية الجامعة. وفي نهاية المطاف، سقطت التجربتان في اختبار الاستدامة؛ فشل تنظيم داعش الذي حارب الجميع وتلاعب بالتّناقضات، وتأرجحت الإدارة الذّاتية التي طمحت للقفز خارج الجغرافيا التّاريخية، لتظلّ المنطقة بأكملها معلّقة في مهب الاحتمالات المفتوحة.
ومع التبدُّل السياسي وجلوس أحمد الشرع في دمشق، يطرح “العهد الانتقالي” خطوطاً عريضة لمعادلة مغايرة لشرق الفرات، تقوم نظرياً على عدم رهن المنطقة، وتجاوز عقليّة اللعب على المظلوميّات والمناكفات العشائرية والقومية، لطرح بديلٍ يقوم على المواطنة الكاملة والدمج الحقيقي. لكنّ السياسة في شرق الفرات لا تعيش طويلًا في غرف دمشق المغلقة؛ إذ سرعان ما تلتقي بالحياة وجهاً لوجه على ضفاف النّهر. ولم يكن على السّلطة النّاشئة في دمشق أن تنتظر طويلاً ليخوض امتحانها الأكبر، وجاء الاختبار هذه المرّة ليس ببارود المدافع، بل بهدير المياه؛ طوفان الفرات. اندفعت المياه الغاضبة لتغمر القرى والبلدات، حاملةً معها إرثاً ثقيلاً من الإهمال الخدمي، ومقتربة من محاصرة آمال الاستقرار الطري. في تلك اللحظة، لم تعد المسألة مجرّد منسوب مياه يرتفع، بل كان منسوب الثقة بالإدارة الجديدة وهو يوضع على محكّ الاختبار الفعلي. ومن هنا، اكتسبت الزّيارة الميدانيّة المفاجئة للسيد الرئيس إلى المواقع المتضرّرة أبعاداً تتجاوز الإغاثة التقليدية؛ فالنزول المباشر لرأس السلطة الانتقاليّة إلى طين الفرات ودمجه لمؤسّسات الدّولة النّاشئة في قلب الكارثة يمثّل إشارةً رمزيّة لكسر عقودٍ من عزلة الشّرق وتهميشه الإداري. ومع ذلك، فإنّ هذه الخطوة الميدانية الجريئة تظلّ في ميزان الرّقابة الشّعبية بلا قيمة حقيقية ما لم تتجاوز مفهوم “الفزعة المؤقتة” وعقلية العلاقات العامة؛ فالشّارع الدّيري والفراتي الذي خبر الوعود طويلاً، يضع دمشق اليوم أمام استحقاق إثبات أنّ زمن “الكمائن الأمنية” والتهميش قد ولى بالفعل، وأنّ عهداً من المسؤولية المؤسساتية والمراقبة الصارمة قد بدأ يتشكّل فعليًّا على الأرض.
إنّ ترويض هذا الإرث الثقيل وتحويله من كارثةٍ مستمرة إلى بشارة استقرار، يفرض على الإدارة الجديدة صياغة استراتيجية إنقاذيّة تدريجيّة بعيدة المدى، تعيد رسم خارطة التعامل مع ثروات المنطقة. وفي سياق الأمن المائي، لم يعد مقبولاً الركون إلى الحلول الإسعافية؛ بل يتطلّب الأمر إطلاق ورشة وطنيّة شاملة ومرحليّة لصيانة السدود القائمة وتأهيل بواباتها، بالتوازي مع تحرُّك دبلوماسي يبدأ ببناء تفاهمات مائية فنية مع دول الجوار، للتمهيد مستقبلاً لفرض اتفاقيّات دوليّة منصفة وملزمة تحمي حصة سوريا التاريخيّة. أما ملفّ “الذهب الأسود”، فإنّ العقد الاجتماعي الجديد يقتضي إنهاء عهد الجباية الخاصة للمركز وتحويل النّفط إلى رافعة للتنمية الوطنية؛ عبر التّأسيس التّدريجي لصندوق تنموي تُخصص عوائده لإعادة إعمار البنية التّحتية المتهالكة في المحافظات الشرقية وتطوير مدنها، ليكونَ الضمانة لشعور إنسان الشرق بأنّ خيرات أرضه تثمر تنمية تحت قدميه. وفي مضمار الذهب الأصفر، يظلّ حماية قرار سوريا المستقل رهناً بسياسة حمائية صارمة لملفّ القمح، تبدأ بتقديم دعم عيني مستدام ومباشر للمزارعين (محروقات وأسمدة)، ووضع آليات تسعير تشجيعية مجزية تقطع الطريق نهائياً على شبكات التهريب والشركات الأجنبية، لضمان توريد كلّ سنبلةٍ إلى صوامع الدولة كأمن قومي لا مساومة فيه.
هكذا يُغلق القوس الذي فُتح مع زلزال شباط 2023؛ فالدّولة التي تعاملت مع ركام المدن ككمينٍ أمني ومصيدة للجباية، سقطت شرعيتها الأخلاقيّة والعمليّة مع أول هزة للأرض. واليوم، يتطلّع شرق الفرات بحذرٍ شديد، وعينٍ تراقب الأفعال لا الوعود، وهو يرى ملامح محاولة للنّهوض من وسط الرّكام والطّوفان، لا لترهن الأرض أو تبتز الإنسان بالمظلوميات، بل لتبدأ رحلةً شاقة وطويلة لإعادة بناء ما دمّره “تيمورلنك القرن العشرين” الأب، وما فرّط به الابن، لتعود الجزيرة والفرات كما كانت دائماً: روح سوريا الموحّدة، وسلة خيرها، وعماد سيادتها الناجزة.ّ