سياسة

سباق “كأس الإقليم” ورسائل تفجيرات دمشق

يوليو 8, 2026

سباق “كأس الإقليم” ورسائل تفجيرات دمشق

أسامة أحمد نزار صالح

في السابع عشر من حزيران/ يونيو عام 1970، وعلى أرض ملعب “أزتيكا” في المكسيك ضمن منافسات كأس العالم، كان الألمانيُّ فرانز بيكنباور يركض في الشوط الثاني من مباراة بلاده ضدَّ إيطاليا، حين سقط إثر عرقلةٍ عنيفة أسفرت عن خلعٍ في كتفه الأيمن. ولأنَّ التبديلات الألمانيَّة كانت قد استُنفدت بالكامل، فإنَّ الغياب عن المستطيل الأخضر كان يعني الاستسلام الحتمي. لم يغادر بيكنباور؛ بل أشار إلى الطبيب، فلفَّ كتفه المخلوع برباط شاش أبيض عريض ثُبِّت إلى صدره، وعاد للعب طوال الأشواط الإضافية بجسدٍ مكسور يرفض الاستسلام.

يُمكننا تسمية المرحلة الحالية التي يعيشها الشرق الأوسط بـ “الأشواط الإضافية”، وذلك بعد انتهاء الوقت الأصلي من صراع الإقليم المفتوح بين أقطابه المتنافسة؛ حيث تبدو الساعة والصافرة اليوم بيد الإدارة الأمريكية والرئيس ترامب. لقد انطلقت بداية الشوط الأول مع “طوفان السِّنوار”، لكن هذا الشوط انتهى على واقعٍ جديد: لبنان بلا حسن نصر الله، غزَّة بلا السِّنوار، وسوريا بلا الأسد الابن. ليتلو ذلك افتتاح الشوط الثاني بمواجهةٍ أمريكيَّة إسرائيليَّة مباشرة ضد إيران، بدأت باعتلاء مسرح العمليات واغتيال مرشدها خامنئي الأب، قبل أن ينتهي هذا الشوط السَّاخن بمذكرة تفاهم وهدنة مؤقتة تزامنت مع مراسم تشييع المرشد الراحل.

وفي مباراة الإقليم هذه، تبارى اللاعبون الرئيسيُّون وتصادمت مشاريعهم بالكامل تحت قيادة وسلطة الحكم الأمريكي؛ فالولايات المتحدة بقيادة ترامب هي من يمسك بالصافرة وساعة الملعب، فارضةً إيقاع التسويات الصارمة، ومستغلةً إنهاك الجميع لإعادة رسم الخرائط، وإن كانت حسابات الميدان المعقَّدة تحتفظ دائماً بهامشٍ للمفاجآت التي قد تفلت من صافرة الحكم. وتحت هذه الصافرة، اندفع المهاجم الإسرائيلي مستغلاً غطاء الحكم ليسجِّل “نقاطه” باعتلاء مسرح العمليات واغتيال القيادات الكبرى، بينما تحرَّك الثُّنائي التُّركي السُّعودي بذكاءٍ لاقتناص الفرص وتثبيت النُّفوذ كصانع ألعابٍ رصين يعتمد الدبلوماسيَّة الهادئة والنَّفس الطويل، مدفوعاً بالقناعة بأنَّ حسمَ البطولة يتطلَّب عقليَّة البناء لا الهدم. أمَّا الطرف الإيراني، فقد انصاع للواقع وقبِل بالهدنة، محاولاً التقاط الأنفاس لئلا يُعلن خروجه النِّهائي من اللعبة.

وسط هذا المشهد المعقَّد، انضمَّ إلى اللعبة لاعبٌ قلَب حسابات المحلِّلين والمتابعين بالكامل؛ إنَّه الإدارة السوريَّة الجديدة بقيادة أحمد الشرع. هذا اللاعب لم يكتفِ بتثبيت الاستقرار وتوحيد غالبية الجغرافيا السورية تحت سلطة دمشق، بل سارع لتقديم جردة حساب استراتيجيَّة تفرض بلاده “ممرًّا آمناً وطريقاً جديداً” لإمداد واستقرار المنطقة. لقد فهم الشرع سياسة الحكم الأمريكي ولعب في “الطرف السليم”؛ فانصرف كليًّا نحو جذب الاستثمار، والدعم المالي، والتنمية، بدلاً من الغرق في الأحلاف ومحاور الأقطاب المتصارعة، وعلى العكس تماماً من عقليَّة الأسد الأب والابن، لم يكترث بجمع أدوات القمع وخنق الحريات للسيطرة على الداخل، بل ركَّز على انتزاع الاعتراف الخارجي بدور بلاده.

هذه الحركة التكتيكية تُرجمت سريعاً في زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى لبنان، والتي لم تكن مجرَّد جولةٍّ دبلوماسية، بل استعراضاً صريحاً لقوة دمشق وقدرتها على التعاون مع الحكومة اللبنانية الشرعية للتفكيك والقضاء على “القوى الموازية” للمؤسسات والتي يُمثَّلها حزب اللّه. هذا الاستعراض السوري، الذي تكلَّل بالزيارة التاريخيَّة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدمشق، أشعل أضواء الخطر لدى الخصوم؛ فنزلت فلول الأسد وحزب اللَّه الحليفة له لاستغلال غياب القبضة الأمنية التقليديَّة كـ “ثغرةٍ” تكتيكية لضرب استقرار العاصمة. وجاء التفجيران المتزامنان على مقرُبةٍ من فندق “الفور سيزونز” -مقر إقامة الرئيس ماكرون- ليؤكِّدا أنَّ الهدف يتجاوز مجرَّد إحراج الإدارة الجديدة؛ بل هو محاولة لكسر مشروع “سوريا اللاعب” وإرسال رسالة تحذيرية مزدوجة لدمشق وضيفها الفرنسي بأنَّ دمشق عاجزةٌ عن ضبط أمنها الداخلي، وبالتَّالي تفشيل تمدُّدها الإقليمي أو مشاركتها في صياغة معادلات المنطقة الجديدة.

وأمام هذا الانحسار الحادِّ لنفوذ طهران في العواصم التقليديَّة، وطرد وتصفية أغلب “هدَّافيها” في المحور، لم يكن أمامها إلّا الدفع بورقتها الاستراتيجيَّة الأخشن لنقل المعركة إلى مربعٍ آخر؛ فنزل إلى أرض المعركة “الجنرال هرمز” لفرض معادلة اشتباك جديدة، تُرجمت ميدانيًّا بالاستهداف الإيراني الأخير للسُّفن السعودية والناقلات الدوليَّة في الممرات البحريَّة بحجة عدم الامتثال للأوامر.

وإذا كانت هذه هي بداية “الأشواط الإضافية” في نهائيات كأس الإقليم، فإنَّ قرار واشنطن بإلغاء تعليق العقوبات على مبيعات النفط الإيراني، والردَّ الفوري بالعمليات العسكرية المباشرة، يؤكِّد أنَّ الصافرة الأمريكيَّة لن تنهي اللعبة الآن؛ بل قد تمتد الأشواط الإضافية بضوءٍ أخضر ودعم مباشر من الحكم الأمريكي للاعب السوري الجديد لتسجيل أهدافٍ استراتيجيَّة وميدانيَّة حاسمة عقب اللقاء المرتقب بين ترامب والشرع على هامش قمَّة الناتو. وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال المعلَّق فوق المستطيل الأخضر المشتعل: هل ستستمر إيران باللعب بـ “الجنرال هرمز” وجسدها المنهك وكتفها المخلوع برباط الشاش الأبيض أم أنَّها ستنصاع لصافرة الحكم وتفتح الباب لمفاوضاتٍ شاقَّة حول النووي ونفوذها الإقليمي؟ ومن هو الطرف الذي سيملك النَفَس الأطول ليحمل كَأس الإقليم في النهاية؟

شارك

مقالات ذات صلة