مدونات

بازار النفاق السياسي

يوليو 7, 2026

بازار النفاق السياسي

كمال عيشة

يقال إنَّ شرَّ النفاق ما داخلته أسباب الفضيلة، وشرَّ المنافقين قومٌ لم يستطيعوا أن يكونوا فضلاء بالحقِّ، فصاروا فضلاء بشيءٍ جعلوه يشبه الحقَّ.

يُعدُّ النِّفاق من أكثر الصفات ذمًّا، تمقته جميع الشرائع وتأنفه الفطرة السليمة، ومن أخطر صوره هو النِّفاق السياسي الذي يتسم بضجيجٍ عالٍ ومبالغاتٍ فجَّة تأسر الأسماع. المنافق بطبعه كائنٌ مخاتلٌ يميل إلى التزلُّف والهروب والمراوغة، ومن كان بهذه الخسة يُفترض أن يتوارى في الظلال، لا أن يملك صوتاً جهوراً ومكانةً بين الناس. غير أنَّه لا يَظهر بوجهه الحقيقي أبداً، إذ يستعيض عنه بوجوهٍ يُفصِّلها على مقاس كلَّ مقامٍ، وفق ما تقتضيه مصلحته.

إنَّ للمنافق ظاهراً يبتسم وباطناً يُدبِّر، وبينهما مساحةٌ واسعةٌ من الغشِّ والتَّدليس، يستثمرها للإيقاع بخصومه وتمرير مقاصده، فإذا كان صاحب السُّلطة هو المستهدف، تحوَّل النِّفاق إلى وسيلةٍ لحصد المكتسبات وتجنُّب الإقصاء، حيث لا يُخلص المنافق، في عمق تركيبته، حتى لوليِّ نعمته، الذي ينهمر مديحه المزيف عليه كعصابةٍ حريريةٍ ناعمة، تعميه عن رؤية الهاوية حتى يسقط فيها وهو لا يدري.

وتتراكم مبالغات المنافقين كالتِّلال في عالم السياسة، مع كثرة التَّكرار والابتذال على الألسُن، ينقلب الأثر في نفوس الناس إلى خليطٍ من السُّخرية والشَّك والتأفف؛ فلا تعود تعبيرات القائد الخالد وحامي الحمى وملهم الأجيال وغيره، سوى إضفاء مزيدٍ من القبح على الواقع المرير.

إنَّ ما يقوله المنافق السياسي لحاكم اليوم، هو ذاته ما كان يقوله لحاكم الأمس؛ فلا ولاؤُه ثابت، ولا مواقفه مستقرة، ما إن يغادر الحاكم سلطته، هارباً أو معزولاً أو مقتولاً، حتى ينقلب عليه ويتبرأ منه، ويعيد كتابة تاريخه بما يوافق اتِّجاه الريح، بعد أن يقفز في اللحظة المناسبة من سفينته الغارقة.

ومن المعلوم أنَّ أسواق التملُّق والنِّفاق لا تعرف كساداً، حين تسقط الأنظمة، يَندُر أن نجد من يسقط معها من أصحاب الألسنة الذهبية؛ لأنَّهم كالقطط دائماً ما يهبطون على أقدامهم، وولاؤُهم لم يكن يوماً لوطنٍ أو مبدأ، ولاؤُهم لمصلحتهم وحدها المتقلبة بتقلب الموازين.

يبلغ النِّفاق السِّياسي ذروته في المراحل المفصلية والظروف الاستثنائيَّة، حين يكون المجتمع أكثر هشاشةً واستعداداً لتصديق الخطابات المضلِّلة، عندها ينشط المنافقون في بثِّ الدعايات الكاذبة وتزييف الحقائق وإطلاق الإشاعات، بما يزعزع السِّلم الأهلي ويؤجِّج الخلافات، ويغذِّي النعرات.

وأخطر ما يُخلِّفه النِّفاق السِّياسي أنَّه يتغلغل بسهولةٍ في الضمير العام، ليتحوَّل من مجرَّد سلوكٍ فردي إلى ثقافةٍ جمعية تُعيد صياغة معايير النَّجاح في المجتمع. حين يصبح التزلُّف طريقاً إلى المناصب، تتأرجح المواقف مع حركة العرض والطلب؛ لتتحوَّل السِّياسة إلى مزادٍ تُباع فيه المبادئ لمن يدفع أكثر، ويُصبح الولاء للوطن سذاجةً في نظر المنتفعين. وتضطرُّ الكفاءات الحقيقية إلى الانزواء، ويُدفع الصادقون إلى الهامش، ممَّا يخلق فراغاً قِيَميًّا، يملؤه هؤلاء المنافقون من محترفي التزلُّف، وما أشدَّ خسارة الأوطان حين يرتفع صوت المنافق فوق صوت الصَّادق!

لا يكفينا أن نُطيل في وصف المنافق لنُشبع فضول القول فقط، إنَّ مُساءلته فرضٌ، وفضحه على الملأ واجبٌ لا تُسقِطه المواعظ، ولا يُجزئ فيه التلميح؛ إذ السكوت عن مثله تواطؤٌ مفضوحٌ، والتصفيق له إمدادٌ لناره بوقودٍ يُبقيها مستعرة. إنَّ من جعل لسانه سلعةً في ميدان السِّياسة، فقد أسقط عن نفسه حقَّ الستر، وألغى عن غيره واجب التستّر عليه؛ فحقُّه أن يُنزع عنه غطاؤه في وضح النهار؛ لتنكسر في النفوس هيبة الباطل، وليَعتبر من يأتي بعده ويَعلم أنَّ النِّفاق والسُّقوط الأخلاقي جرحٌ لا يندمل إلا بكيِّ المواجهة.

غير أنَّ الإنصاف يقتضي ألا نخلط بين تأييد المرء لقضيةٍ يؤمن بها، وبين تملُّقه لمن يخدم مصلحته. الولاء الصَّادق ثابتٌ على المبدأ، لا ينحني لعواصف التحوُّلات ولا يدخل في حسابات الرِّبح والخسارة؛ لأنَّه العملة الأخلاقية الوحيدة التي لا تقبل التداول نهائيًّا.

إنَّ الأوطان تُبنى بالرجال الذين يضعون مصلحة البلاد فوق مصالحهم، ويؤمنون بأنَّ قول الحقيقة، مهما كانت مُرّة، هي الطريق الوحيد للإصلاح الحقيقي؛ لأنَّ الخراب المادي يمكن ترميمه بمرور الأيام، أمَّا خراب الضمائر فيورث الهزيمة والانهيار، إذ لا تُهزم الأوطان بقلَّة الموارد بقدر ما يهزمها ازدهار أسواق النِّفاق، يوم تُصبح فيه الحقيقة تهمةً، والضمير سلعةً في بازار السِّياسة.

شارك

مقالات ذات صلة