Blog
أعلنت هيئة العدالة الانتقالية للمفقودين تأكيد استشهاد أطفال الدكتورة رانيا العباسي الستة، بعد التعرُّف عليهم في أحد المقاطع المصوّرة التي وثّقت جرائم أمجد يوسف. ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بالحزن والغضب، وانهالت كلمات النعي والتعزية، وهو غضبٌ مفهوم ومبرّر تماماً، سواء تجاه الجريمة نفسها أو تجاه بطء مسار العدالة الذي لم يرَ السوريون ثماره بعد.
لكن وسط كلّ هذا استوقفتني حالة الصدمة عند البعض، لا الصدمة من الخبر نفسه فهي حالةٌ إنسانية وطبيعية جداً، بل الصدمة من الجريمة ومن الوحشية وطريقة القتل وكأنّنا لأوّل مرّة نسمع أنّ أطفالاً قد قُتلوا أو مجزرةّ قد ارتكبت، وهنا يفرض سؤالٌ نفسه: أيّ ذاكرةٍ نملك نحن السوريين؟
هل نسينا كلّ الجرائم التي كنّا شهداء عليها طوال السنين الماضية ألم نشاهد جنوداً يدفنون طفلاً من ذوي الاحتياجات الخاصة حياً لأنّه لم يقل “ربي بشار!!”، ألم نشاهدهم يستمتعون بتعذيب وقتل رجل بوحشية لا مثيل لها لأنّه لم يقبل أن يشتم زوجته!؟، ألم نكن شهداء على مجزرة الحولة وبانياس والبياضة؟ وألم نسمع تلك الطفلة التي تقول: “عمو رقبتي عم توجعني”، والمجرم يضع السكين على رقبتها؟! ، ألم نسمع شهادات الناجين من المعتقلين؟ هل نسينا مازن حمادة؟ حمزة الخطيب؟ هل نسينا تدمر وصيدنايا وفرع الخطيب وفرع 215؟ ومالا يحصى من الجرائم والمجازر التي حصلت خلف الأبواب المغلقة؟
يمكن فهم الحزن والبكاء والغضب، بل إنّها ردود فعل طبيعية وإنسانية، لكن لا يمكن أن تكون ذاكرتنا ضعيفة إلى درجة أن نتعامل مع كلّ جريمةٍ وكأنّها الأولى. فهذه المأساة ليست استثناءً في سجلٍ طويل من الجرائم، وللأسف ربما لن تكون الأخيرة التي تنكشف تفاصيلها. فما خفي أعظم، وما زالت هناك آلاف القصص التي لم توثقها الكاميرات، وآلاف الضحايا الذين لم يبقَ خلفهم أحد ليروي ما جرى لهم، وآلاف المفقودين الذين ما زال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم.
لهذا فإنّ العدالة لا تبدأ فقط من المحاكم ،العدالة تبدأ أيضاً من الذاكرة. فالجريمة لا تقتل الضحية وحدها، بل تحاول قتل قصتها ومحو أثرها من الوعي العام. وعندما ننسى، أو نسمح للذاكرة أن تضعف، نمنح المجرم انتصاراً إضافياً لم يستحقه.
الذاكرة التي نحتاجها ليست للشهداء والمفقودين فقط إنّما ذاكرة تحفظ المجرمين أيضاً، ذاكرة تحفظ صورهم وأسماءهم وتوثّق كلّ ما فعلوه وقاموا به. ليس من حمل السلاح مجرماً فقط، إنّما كلّ من صفّق وهلل لذاك النظام المجرم من حمل الكاميرا في سبيل تبييض صورة المجرمين ومن تحدّث في سبيل تلميع القاتلين، ومن حاول تزوير التاريخ ونسج قصصٍ ومسلسلاتٍ وأفلامٍ ليصوّر لنا الجلّاد بطلاً ويصوّر الشهيد إرهابياً، ومن ينكر الجرائم اليوم كلّهم شركاء في الجريمة.
لهذا نحتاج اليوم إلى مشروع وطني لحفظ الذاكرة السورية: أرشيف يوثّق أسماء الضحايا والمفقودين، ومراكز تحفظ شهادات الناجين، ونصب تذكارية تخلد ذكرى الشهداء في المدن والبلدات التي دفعت أثماناً باهظة، ومتاحف تحفظ الصور والوثائق والمقتنيات التي تروي للأجيال القادمة ما حدث. فتوثيق الجرائم ليس عملاً تاريخياً فحسب، بل هو جزء من العدالة وجزء من حماية المستقبل.
تحدّثوا عن الشهداء والمعتقلين والمختفين قسراً. تحدّثوا عن القصف والكيماوي والسجون والمجازر. اكتبوا أسماء الضحايا واحفظوا قصصهم وارفضوا أن يتحوّلوا إلى مجرّد أرقام. فالشعوب التي تفقد ذاكرتها لا تستطيع حماية مستقبلها، أمّا الشعوب التي تحفظ ذاكرتها فإنّها تجعل من كلّ ضحيةٍ شاهداً دائماً على الحقيقة.
لذلك لا ينبغي أن ننتظر ظهور مجزرة جديدة كي نتذكّر. لدينا من القصص والجرائم ما يحتاج عمراً فوق أعمارنا لروايته. ومهمتنا اليوم ليست فقط المطالبة بالعدالة، بل أيضاً حماية الذاكرة، لأنّ النسيان جريمة أيضاً.
